حملة وطنية للاستهلاك الواعي

حينما يكون الاستخدام المسؤول للأجهزة الذكية أولوية الأسر

حينما يكون الاستخدام المسؤول للأجهزة الذكية أولوية الأسر
  • 278
نور الهدى بوطيبة نور الهدى بوطيبة

في ظل التحولات المتسارعة، التي يشهدها نمط العيش داخل الأسر، تبرز الأجهزة الكهرومنزلية الحديثة، كأحد أهم عناصر الراحة اليومية وأكثرها تأثيرا على تفاصيل الحياة داخل البيت، ومع إطلاق الحملة الوطنية لترشيد استهلاك الطاقة، مؤخرا، تحت إشراف وزارة الطاقة والطاقات المتجددة، وبمشاركة مؤسسات وهيئات معنية بحماية المستهلك، تتجدد النقاشات حول العلاقة بين التطور التكنولوجي والاستهلاك الطاقوي، وحول حدود الاستخدام المسؤول، دون التخلي عن ضروريات أصبحت جزءا من الحياة اليومية.

تهدف الحملة إلى نشر ثقافة الاستهلاك العقلاني للطاقة، تأتي في سياق ارتفاع الطلب على الكهرباء، خاصة في فترات الذروة الصيفية، حيث تعمل الجهات المنظمة على توجيه المواطنين نحو سلوكيات أكثر وعيا، مثل ترشيد استعمال أجهزة التكييف والإضاءة وتقليل الاستهلاك غير الضروري، وهي مبادرة تعكس توجه الدولة نحو ضمان استدامة الموارد الطاقوية، وتعزيز النجاعة في الاستعمال المنزلي للطاقة.

ولم تعد الأجهزة الكهرومنزلية مجرد أدوات مساعدة، بل أصبحت ركنا أساسيا في تنظيم حياة الأسرة اليومية، فالمطبخ العصري، اليوم، يعتمد على أجهزة مثل القلايات الهوائية والميكروويف والمكانس الكهربائية والغسالات الأوتوماتيكية وغيرها، وهي أجهزة وفرت الوقت والجهد بشكل كبير، لكنها في المقابل، رفعت من مستوى الاستهلاك الطاقوي داخل المنازل، على سبيل المثال، تعتبر القلاية الهوائية من الأجهزة التي يظن الكثيرون أنها اقتصادية في الطاقة، لكنها في الواقع تستهلك ما بين 1200 و2000 واط أثناء التشغيل، حسب السعة والاستخدام، وهو ما يجعل استخدامها المتكرر خلال اليوم، عامل مؤثر في الفاتورة الكهربائية، أما المكنسة الكهربائية، فتستهلك عادة بين 800 و1800 واط، حسب النوع وقوة المحرك، ومع استعمالها اليومي في المنازل الكبيرة، أو التي تضم أطفالا، يرتفع الاستهلاك بشكل ملحوظ، كذلك أجهزة مثل المكواة الكهربائية أو الغسالة أو حتى سخانات المياه الكهربائية، التي يمكن أن تكون من أكثر العناصر استهلاكا للطاقة، خاصة عند الاستخدام غير المنظم أو في أوقات الذروة.

في حديث "المساء" مع محمد قاسم، تقني سامي في الكهرباء، أوضح أن الإشكال لا يكمن في وجود هذه الأجهزة بحد ذاتها، بل في طريقة استخدامها، حيث أكد أن الأسرة الحديثة لا يمكنها الاستغناء عنها، لأنها أصبحت مرتبطة مباشرة بنمط الحياة السريع والعمل اليومي، مشيرا في المقابل، إلى أن الوعي بالاستهلاك هو العامل الحاسم، فمثلا تشغيل القلاية الهوائية لعدة مرات متفرقة في اليوم، يستهلك طاقة أكبر من استعمالها مرة واحدة، لإعداد كمية أكبر من الطعام، كما أن تشغيل المكنسة الكهربائية في وضعية أقصى قوة بشكل متكرر، يرفع الاستهلاك دون ضرورة حقيقية، وأضاف أن الكثير من الأسر لا تدرك أن الأجهزة في وضعية الاستعداد أيضا، تستهلك طاقة مستمرة، وإن كانت قليلة، لكنها تتراكم مع الوقت، وهو ما يسمى بالاستهلاك الخفي، الذي يمكن أن يشكل نسبة معتبرة من الفاتورة الشهرية.

أضاف المختص، أن تلك الأجهزة الحديثة، تعتمد على تكنولوجيات، حيث تتطلب طاقة كبيرة من أجل العمل، لذكاء عملها وقوة تقنية البعض منها، وأكد أن الحملة الوطنية لترشيد استهلاك الطاقة، جاءت في وقت مناسب، لأن التحول نحو الأجهزة الحديثة في الجزائر أصبح سريعا جدا، سواء عبر اقتناء أجهزة مطبخ متعددة الوظائف، أو أجهزة تنظيف ذكية أو أجهزة تسخين كهربائية، وهو ما خلق نمطا جديدا من الاستهلاك داخل البيوت، وهو نمط يقوم، يضيف محدثنا، على الراحة والسرعة، لكنه يحتاج إلى وعي أكبر لتفادي الضغط على الشبكة الكهربائية، وتقليل الأعباء المالية على الأسر، مشددا على أن الحل لا يكمن في التقليل من استخدام الأجهزة، بقدر ما يكمن في تحسين توقيت استخدامها واختيار الأجهزة ذات الكفاءة الطاقوية العالية، والحرص على الصيانة الدورية واستعمالها بشكل عقلاني.

وقال المختص، إن الأجهزة الكهرومنزلية الحديثة تحولت اليوم، إلى جزء لا يمكن الاستغناء عنه داخل الأسرة المعاصرة، موضحا أنها تمثل، في الوقت نفسه، تحدٍّ حقيقي على مستوى الاستهلاك الطاقوي، وبين الحاجة إلى الراحة اليومية ومتطلبات الترشيد، يقول محدث "المساء"، يبقى الوعي الاستهلاكي النقطة الفاصلة التي يمكن أن توازن بين جودة الحياة، والحفاظ على الطاقة، وهو الهدف الذي تسعى إليه الحملة الوطنية لترشيد الاستهلاك، من خلال إشراك مختلف الفاعلين، وعلى رأسهم جمعيات حماية المستهلك، لترسيخ ثقافة جديدة تقوم على الاستخدام الذكي والمسؤول للطاقة داخل كل بيت.

كما أن من بين أهم الحلول التي يمكن أن تساهم في تقليل الاستهلاك الطاقوي داخل المنازل، يقول محمد قاسم، الاعتماد على سلوكيات بسيطة، مثل فصل الأجهزة الكهربائية عند عدم استعمالها، وضبط درجات حرارة أجهزة التكييف على مستويات معتدلة، واستعمال الإضاءة المقتصدة للطاقة، مثل مصابيح "اللاد"، إضافة إلى ذلك، فإن توعية أفراد الأسرة، خاصة الأطفال، بكيفية الاستخدام الصحيح للأجهزة الكهرومنزلية، يلعب دورا مهما في ترسيخ ثقافة الترشيد منذ الصغر، مما يجعل الاستهلاك أكثر وعيا واستدامة على المدى الطويل.