من رمال الجنوب إلى زرقة المتوسط
حميدي يكسب رزقه بكأس شاي
- 159
رشيدة بلال
تشكل شواطئ البحر، خلال موسم الاصطياف، فضاءً للرزق بالنسبة للكثير من الشباب، لاسيما القادمين من ولايات الجنوب، الذين يستغلون العطلة الصيفية للتنقل نحو الساحل، هروبًا من لهيب الصحراء واستمتاعًا بزرقة البحر، وفي الوقت نفسه، لكسب قوت يومهم، من خلال ممارسة أعمال موسمية، أبرزها بيع الشاي الصحراوي. ورغم ارتفاع درجات الحرارة، إلا أن الشاي الصحراوي يلقى إقبالًا واسعًا من المصطافين، ما جعله من أكثر الأنشطة الموسمية انتعاشًا خلال فصل الصيف.
بحماس كبير ومعنويات مرتفعة، ورغم حرارة الشمس اللافحة على شاطئ الحمدانية، ببلدية شرشال في ولاية تيبازة، كان الشاب العشريني عبد العزيز حميدي، القادم من ولاية تيميمون، يجوب الشاطئ ذهابًا وإيابًا دون كلل أو ملل، حاملاً إبريق الشاي الكبير وأكواب التقديم، إضافة إلى أغصان النعناع وبعض المكسرات التي ترافق عادة تقديم الشاي الصحراوي.
في دردشة مع “المساء”، قال حميدي، إنه يحرص كل صائفة، على القدوم إلى ولاية تيبازة، وتحديدًا إلى شاطئ الحمدانية، حيث يستأجر رفقة عدد من شباب الجنوب، منزلًا صغيرًا يقيمون فيه طوال الموسم الصيفي، من أجل العمل في بيع الشاي. وأوضح أن البقاء في ولايات الجنوب خلال فصل الصيف، أمر صعب جدًا، بسبب الارتفاع الكبير في درجات الحرارة، لذلك يفضل التوجه نحو الشمال، حيث يجمع بين العمل والاستمتاع بالبحر، الذي يعشقه منذ طفولته. مضيفا أن أكثر ما يزعجه خلال عمله بالشاطئ، ليس حرارة الشمس ولا المشي لساعات طويلة بين المصطافين، والذي قد ينتهي أحيانًا ببيع كوب أو كوبين فقط، رغم الاكتظاظ الكبير، وإنما المضايقات التي يتعرض لها من بعض الشباب، الذين يسخرون منه أو يطلقون تعليقات مستفزة.
وأكد أنه لا يعير تلك التصرفات اهتمامًا، ويفضل عدم الرد عليها، لأن هدفه العمل وكسب رزقه. وعندما يشعر بالتعب، يأخذ قسطًا من الراحة على الشاطئ، وأحيانًا يلتقي بأصدقائه من باعة الشاي، أو يسبح لبعض الوقت، حتى يستعيد نشاطه ويواصل جولاته بين المصطافين. وأشار حميدي، إلى أن بيع الشاي ليس مصدرًا للعائد الكبير، كما يعتقد البعض، فهناك أيام يكون فيها الإقبال ضعيفًا، رغم امتلاء الشاطئ، بينما في أيام أخرى ينفد الشاي بسرعة، فيضطر إلى العودة لتحضير كمية جديدة، موضحًا أنه يحضر الشاي مرتين يوميًا، في أغلب الأحيان. ويقول بابتسامة “المهم أن الرزق موجود، والحمد لله، وهي نعمة تستوجب شكر الله”.
وعن السر الذي يجعل الشاي الصحراوي يحظى بإعجاب سكان الشمال والمصطافين، أوضح المتحدث أن الأمر لا يتعلق بنوعية الشاي، بقدر ما يرتبط بطريقة تحضيره، وهي طريقة بسيطة توارثوها عن الآباء والأجداد. وأضاف “نقوم أولًا بغسل الشاي بالماء البارد، ثم نسخن الماء ونضع فيه الشاي، ويُطهى لمدة تقارب عشرين دقيقة، وبعدها نضيف النعناع لمدة خمس دقائق فقط، فتكون النتيجة شايًا ذا نكهة مميزة ومنعشة”. وأكد أن الشاي الصحراوي، رغم سخونته وحرارة الطقس، يجد إقبالًا كبيرًا من المصطافين، بل إن كثيرين يطلبون كوبًا ثانيًا أو يعودون إليه في اليوم نفسه، وهو ما يمنح باعة الشاي دافعًا معنويًا كبيرًا للاستمرار في العمل.
ويختتم حميدي يومه مع غروب الشمس، حيث يجلس قبالة البحر، يتأمل جماله وهدوءه، ويراقب حركة المصطافين، خاصة أولئك الذين يختارون قضاء الليل على الشاطئ. وينهي حديثه قائلا “أنا من عشاق البحر. كانت أول مرة أراه فيها بشواطئ مستغانم، وبقيت لساعات أتأمل عظمة الخالق، واتساع البحر وجمال أمواجه، وأنا مفعم بالدهشة والشوق لتجربة السباحة فيه. ومنذ ذلك اليوم، أصبحت العودة إلى البحر كل صيف، عادة لا أستغني عنها.”