لمكافحة ظاهرة الغش في الأسواق
حملة لترسيخ ثقافة التجارة النزيهة
- 147
نور الهدى بوطيبة
تعد الثقة بين التاجر والزبون، الركيزة الأساسية التي تقوم عليها مختلف المعاملات التجارية في المجتمعات الحديثة، فهي التي تمنح المستهلك الشعور بالأمان عند اقتناء السلع والخدمات، وتضمن استقرار الأسواق واستمرار النشاط الاقتصادي في ظروف عادلة ومتوازنة، غير أن هذه الثقة، قد تتعرض للاهتزاز عندما تنتشر بعض الممارسات غير القانونية، وغير الأخلاقية، والتي تستهدف تحقيق الربح السريع على حساب حقوق المستهلك وسلامته، ومن بين أخطر هذه الممارسات، ظاهرة الغش التجاري، التي ما تزال من التحديات الحقيقية في العديد من الأسواق، بل وكأن الظاهرة زادت حدتها مع ارتفاع الغلاء المعيشي، وتهدد بزعزعة ثقة السوق، لما تسببه من أضرار اقتصادية واجتماعية وصحية، تمس الفرد والمجتمع، على حد سواء.
تبرز خطورة هذه الظاهرة، في كونها لا تقتصر على خسارة مادية يتكبدها المستهلك فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى المساس بجودة المنتجات وسلامتها، وخلق حالة من انعدام الثقة بين البائع والمشتري، وهو ما ينعكس سلبا على حركة السوق، ويضر بالتجار النزهاء، الذين يلتزمون بالقوانين والمعايير المهنية، ومن هذا المنطلق تتواصل الجهود الرامية إلى نشر الوعي بمخاطر الغش التجاري وتعزيز ثقافة الاستهلاك الواعي، باعتبارها واحدة من أهم الوسائل الكفيلة للحد من هذه الممارسات، وحماية حقوق المواطنين.
وفي هذا السياق، أطلقت منظمة حماية المستهلك وإرشاده، برئاسة مصطفى زبدي، مؤخرا، حملة تحسيسية وتوعوية، تهدف إلى لفت انتباه المواطنين والتجار على حد سواء، إلى خطورة ظاهرة الغش التجاري والآثار السلبية المترتبة عنها. جاءت هذه المبادرة، في ظل تزايد الملاحظات والشكاوى المتعلقة ببعض الممارسات، التي تشهدها الأسواق وتمس بحقوق المستهلك، وتؤثر على شفافية المعاملات التجارية، إذ تسعى الحملة، حسب منظميها، إلى ترسيخ مبادئ النزاهة والأمانة في النشاط التجاري، وتعزيز ثقافة احترام القانون وحماية المستهلك.
ولم تقتصر الحملة على الجانب التوعوي التقليدي، بل شهدت مشاركة أئمة، ساهموا في توضيح مفهوم الغش التجاري من الناحية الشرعية، وتوضيح موقف الدين الإسلامي منه، حيث تم التأكيد على أن الصدق والأمانة من القيم التي حث عليها الإسلام في مختلف المعاملات، وأن الغش بكل أشكاله، سلوك مرفوض، لما يترتب عليه من ظلم وأكل حقوق الناس بالباطل، وقد شكل هذا الجانب الديني، بعدا مهما في الحملة، من خلال ربط السلوك التجاري بالقيم الأخلاقية والمسؤولية المجتمعية، واحترام حقوق الغير، وليس أكلها بالباطل.
وتناولت الحملة مختلف صور الغش التجاري، التي قد يواجهها المستهلك عند اقتنائه سلعة أو استفادته من خدمة، ومن بينها إخفاء العيوب الموجودة في السلع وعرض الأجزاء الجيدة منها فقط، لإيهام الزبون بجودة المنتج، كما تم التطرق إلى ظاهرة التلاعب بالميزان، من خلال استعمال موازين غير دقيقة أو إضافة أوزان خفية، تؤدي إلى دفع المستهلك مبالغ مالية، مقابل كميات أقل من تلك التي يعتقد أنه اشتراها، كما أن آخرون يقدمون سلعة تالفة، وحتى غير صالحة تماما للاستهلاك أو للاستعمال، بل تتوجه مباشرة للنفايات.
كما نبهت الحملة إلى بعض الممارسات المتعلقة بالإعلان عن سعر معين للسلعة، ثم فرض سعر مختلف عند الدفع، وهو ما يعد مخالفة تمس بحق المستهلك في الحصول على معلومات واضحة وشفافة، قبل إتمام عملية الشراء. كما سلطت الحملة الضوء، على بعض التجاوزات المرتبطة ببيع المنتجات التي تحتوي على أوساخ أو شوائب، بغرض زيادة الوزن وتحقيق أرباح إضافية، كالتراب على البطاطس، أو أجزاء من الخضار غير صالحة للاستهلاك، كالغصن أو الحشيش بكميات كبيرة تزيد في الميزان، على حساب الجودة والقيمة الحقيقية للمنتج، وهي ممارسات قد تسبب خسائر مادية للزبون.
أكدت منظمة حماية المستهلك، أن مكافحة هذه الظاهرة تتطلب تضافر جهود الجميع، من خلال تكثيف الرقابة على الأسواق والمحلات التجارية، وضمان المراقبة الدورية للموازين وأجهزة القياس، وتعزيز برامج التوعية بحقوق المستهلك، ومساعدته على معرفة واجباته وحقوقه القانونية، كما دعت إلى اعتماد تصنيف واضح للمنتجات، حسب درجات الجودة، مع تسعير شفاف، يتيح للمواطن باتخاذ قرارات شراء مبنية على معلومات دقيقة وصحيحة. كما شددت الحملة، على أهمية التبليغ عن مختلف التجاوزات والممارسات المشبوهة، باعتبار أن المواطن شريك أساسي في الرقابة، وحماية السوق من السلوكيات غير القانونية، فكل عملية تبليغ يمكن أن تساهم في كشف مخالفة، ومنع تكرارها، وحماية عدد أكبر من المستهلكين.