صهاريج المياه تغزو العمارات
حلول اضطرارية ومخاطر تهدد سلامة البنايات
- 189
كمال لحياني
في مشهد أصبح مألوفًا في المدن الجزائرية، تتراص الصهاريج البلاستيكية بألوانها المختلفة، فوق شرفات العمارات وأسقفها، مشوهة المنظر الجمالي للأحياء السكنية، وحاملة في طياتها تحذيرات من مهندسين معماريين، بشأن مخاطر قد تهدد سلامة البنايات وسكانها.
على مدار السنوات الخمس الماضية، دفعت موجة الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، السلطات إلى تقليص برامج توزيع المياه في العديد من الولايات، ما أجبر المواطنين على البحث عن حلول عاجلة، لضمان تزويد منازلهم بهذه المادة الحيوية. ولم تقتصر الأزمة على نقص الأمطار خلال السنوات الأخيرة، باستثناء هذا العام الذي كان استثنائيًا، بل تفاقمت بفعل ارتفاع الطلب على المياه، نتيجة توزيع أكثر من مليوني سكن جديدة، وإنشاء مدن حديثة، وهو ما زاد الضغط على الموارد المائية المحدودة.
سوق مزدهرة وأسعار مرتفعة
شهدت تجارة الصهاريج البلاستيكية والمضخات انتعاشًا غير مسبوق، حيث يؤكد التجار أن الطلب عليها ارتفع بنسبة 15 بالمائة، خلال السنوات الثلاث الأخيرة. ويُقبل المواطنون بشكل خاص على اقتناء خزانات بسعات 1000 و1500 لتر، والتي أصبحت بالنسبة للكثيرين ضرورة ملحة، لتأمين احتياجات الأسرة من المياه لمدة أسبوع على الأقل.
كما ارتفعت الأسعار بشكل ملحوظ، إذ أصبح سعر خزان بسعة 1500 لتر من النوعية الجيدة يقدر بـ25 ألف دينار، بعدما كان لا يتجاوز 16 ألف دينار قبل سنوات، فيما وصل سعر الخزان متوسط الحجم إلى حدود 25 ألف دينار أيضًا. ويؤكد مصطفى مجاجي، التاجر المتخصص في بيع مواد الترصيص وخزانات المياه بمدينة موزاية (البليدة)، أن الطلب على هذه التجهيزات ارتفع بنسبة 150 بالمائة، خلال السنوات الثلاث الأخيرة، خاصة من طرف الموظفين الذين لا يملكون الوقت الكافي لجلب المياه من الينابيع.
ودفعت أزمة الانقطاعات المتكررة، خصوصًا في الأحياء السكنية الجديدة، عددًا كبيرًا من المواطنين، إلى البحث عن حلول بديلة لضمان تزويد منازلهم بالمياه. وتشمل هذه الحلول، تركيب صهاريج بلاستيكية كبيرة السعة فوق الشرفات والأسطح، مرفقة بمضخات لرفع المياه، أو إنشاء أحواض مائية في الطوابق السفلية. ويقول الأستاذ الجامعي محمد لصفر، إنه اضطر إلى اقتناء خزان ومضخة بقيمة 30 ألف دينار، بعد معاناة طويلة مع انقطاع المياه، حيث كان يضطر يوميًا إلى التنقل نحو الينابيع لجلب المياه، وهو ما دفعه إلى البحث عن حل دائم لهذه المشكلة.
تشويه عمراني "ممنوع قانونا"
تحولت الصهاريج إلى ظاهرة تشوه المظهر الجمالي للمدن الجزائرية، خاصة في الأحياء الراقية والمناطق السياحية، حيث حلت محل الهوائيات التلفزيونية، التي كانت تشكل سابقًا، أبرز مظاهر التشويه لواجهات العمارات.
غير أن المخاطر لا تقتصر على الجانب الجمالي، إذ يحذر المهندس المعماري حمزة مزياني، من أن إضافة خزان بسعة 1500 لتر، تعني تحميل البناية وزنًا إضافيًا يصل إلى طن ونصف الطن، وقد يتضاعف هذا الحمل في حال وقوع زلازل، ما يهدد سلامة المنشآت وسكانها على المدى الطويل. كما يؤكد مدير نادي المخاطر الكبرى، البروفيسور عبد الكريم شلغوم، أن تثبيت الصهاريج فوق الشرفات والجدران "ممنوع قانونيًا"، باعتباره تغييرًا في هيكل الشقق السكنية، وهو ما يتطلب دراسات وحسابات هندسية دقيقة، حفاظًا على سلامة البنايات.
من جهته، دعا الأمين العام لجمعية حماية المستهلك، حمزة بلعباس، إلى ترشيد استهلاك المياه، لاسيما خلال فصل الصيف، مشيرا إلى أن عائلة مكونة من أربعة أفراد، يمكنها الاكتفاء بخزان سعته 500 لتر، غير أن الكثير من العائلات تبالغ في اقتناء خزانات ذات أحجام كبيرة، كما شدد على ضرورة الحد من انتشار هذه الظاهرة، التي تعطي انطباعًا سلبيًا عن وضعية التزويد بالمياه في الجزائر، خصوصًا في المدن السياحية، التي تستقبل زوارًا من داخل الوطن وخارجه.