أدوات الذكاء الاصطناعي تقتحم الإعلام... مختصون:
حذار..لا معلومة دون تدقيق بشري
- 226
رشيدة بلال
دفع الاستخدام الكبير لبعض أدوات الذكاء الاصطناعي في المجال الإعلامي، بثلة من الإعلاميين إلى دق ناقوس الخطر، والمطالبة بالتحلي بقدر عالٍ من الوعي، والذكاء المهني، والخضوع لتكوينات متخصصة بالنظر إلى الآثار السلبية الناجمة عن استخدام هذه الأدوات، التي تبقى صناعة أجنبية، وقد تقود، في حال الوقوع في الخطأ لا سيما من طرف الإعلاميين الجدد الذين تبنّوها بشكل واسع لما توفره من سهولة وسرعة، إلى المساس بالأمن القومي للوطن.
كيف يمكن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي؟ وهل توفر هذه الأدوات مثل "شات جي بي تي"، المادة الإعلامية بالشكل المطلوب، أم أنها قد تغيّر محتواها، خاصة عندما يتعلق الأمر بالجانب الإحصائي؟ وهل تتوافق مع الطرح التحليلي الذي يقدمه الإعلامي، خاصة عند مناقشة بعض الثوابت التي تعكس توجه الوطن، مثل القضية الفلسطينية والصحراء الغربية؟.
أسئلة وغيرها كشف من خلالها الأساتذة المشاركون في تنشيط ندوة تكوينية نُظمت تزامناً مع إحياء اليوم العالمي لحرية التعبير والتي بادرت بتنظيمها جمعية الصحفيين والمراسلين لولاية البليدة، عن خطورة المبالغة في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. وأكد المتدخلون أن هذه الأدوات أصبحت تقدم عملاً صحفياً يفتقر إلى اللمسة الشخصية للإعلامي، بل وقد تقوده، في حال غياب الوازع الأخلاقي، إلى الوقوع في أخطاء جسيمة.
وفي هذا الخصوص، أوضح الإعلامي الأستاذ نور الدين أعراب، رئيس جمعية الصحفيين والمراسلين لولاية البليدة، أن الدافع إلى تنظيم هذه الندوة التكوينية حول أخلاقيات استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في العمل الإعلامي، هو الاندفاع الكبير من طرف الإعلاميين خاصة الجدد، نحو استخدامها دون وعي كافٍ بمخاطرها، مشيراً إلى أهمية التنبيه إلى ما هو مسموح وما هو ممنوع؛ حتى تظل اللمسة الإنسانية حاضرة في الأعمال الإعلامية.
من جهته، أكد الأستاذ أمين لعلام، المختص في الإعلام الرقمي ورئيس تحرير بقناة الجزائر الدولية، أن التهديد الذي أصبح يمس مهنة الصحافة، نابع من المتخرجين الجدد، الراغبين في ولوج عالم الإعلام، داعياً إلى الاهتمام أكثر بتكوين أنفسهم في كل ما يتعلق باستخدام التكنولوجيات الحديثة، خاصة منها الذكاء الاصطناعي. وأوضح أن مستقبل الصحافة كان دائماً مرتبطاً بالتكنولوجيا، ما يعني أن الصحفي الناجح هو من يتحكم في هذه الأدوات، ويوظفها بشكل سليم.
وأضاف أن الثورة التكنولوجية الحالية تفرض التحكم الجيد في هذه الأدوات، وهو ما لا يتحقق إلا من خلال التكوين الجيد والمستمر؛ حتى لا يصبح الصحفي ضحية لها، أو يفقد النزعة الإنسانية في عمله، فيتحول إلى مجرد آلة. كما أشار إلى أن الفرق بين الأعمال الإعلامية اليوم في ظل هذه الثورة، يكمن في اللمسة الإنسانية التي لا يمكن التكنولوجيا أن تعوّضها.
وشدد المتحدث على أن أدوات الذكاء الاصطناعي وُجدت لتسهيل العمل الإعلامي وليس لتعويضه، مؤكداً أن بعض الإعلاميين الجدد أصبحوا منبهرين بالسهولة والسرعة التي توفرها هذه الأدوات؛ ما أفقدهم بصمتهم المهنية. وأوصى بأن يكون الاستخدام الأول لهذه الأدوات في مجالي التصحيح، والتدقيق اللغوي، مع متابعة التعديلات، ثم الانتقال تدريجياً إلى مراحل أكثر تقدماً، حتى لا يتحول الصحفي إلى مجرد مستهلك، مبرزاً أن هذه الأدوات تبقى مكملة، ولا يمكنها التفوق على الذكاء البشري.
ومن جانبه، أوضح المختص في الإعلام الرقمي الأستاذ عبد القادر بوماتع، رئيس تحرير بمؤسسة "إنترنيوز"، أن أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي أصبحت تُطرح بإلحاح في الوقت الراهن، بسبب التوجه المتزايد نحو استخدامه بطريقة عشوائية. وأكد أن هذه الثورة التكنولوجية تفرض حتمية الخضوع للتكوين، بل وحتى التفكير في تقنين استخدام هذه الأدوات، خاصة بالنسبة للخريجين الجدد، المقبلين على ممارسة العمل الإعلامي.
وأشار إلى أن المخاطر المرتبطة بهذه الأدوات، قد لا تكون ظاهرة للمستخدم في البداية، بسبب ما توفره من سرعة، وسهولة؛ ما قد يؤدي إلى إغفال جوانب حساسة، قد تؤثر حتى على الأمن القومي، خاصة أن هذه الأدوات تبقى صناعة أجنبية تحمل نوعاً من التحيز. وأضاف أن على الإعلامي أن ينطلق أولاً، من الأساسيات، بالاعتماد على الورقة والقلم قبل الانتقال إلى استخدام الذكاء الاصطناعي بعقلانية، مؤكدا أن القاعدة الأساسية التي يجب أن يعتمدها كل إعلامي في ظل هذه الثورة التكنولوجية، هي: "لا معلومة دون تدقيق بشري" . وهي قاعدة تعكس حقيقة أن التكنولوجيا مهما تطورت، لا يمكنها أن تتفوق على الذكاء البشري.
من جهته، شدد الأستاذ محمد لهوازي مختص في الإعلام الرقمي، رئيس تحرير موقع "الجزائر مباشر"، على أن الإعلاميين الجدد بحاجة ماسة إلى أيام تكوينية مماثلة لهذه المبادرة التي نظمتها جمعية الصحفيين والمراسلين لولاية البليدة، حول أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي. وأوضح أن التكيف مع هذه الثورة أصبح أمراً ضرورياً بالنظر إلى انتشارها في مختلف مجالات الحياة، غير أن الحذر يبقى واجباً، خاصة أن الإعلامي يعكس توجهات وطنه.
وأشار إلى ضرورة تجنب الاستهلاك العشوائي لما تقدمه هذه الأدوات، لكونها تخضع في كثير من الأحيان لأجندات خارجية، داعياً إلى تكثيف التكوين، خاصة أن المعلومة أصبحت متاحة بشكل واسع. كما لفت إلى أن الإعلامي الجزائري لايزال في مرحلة اكتشاف هذه الأدوات؛ ما يستدعي مزيداً من التأطير، والتوجيه، محذراً من أن الذكاء الاصطناعي قد يهدد اللمسة الإنسانية التي تصنع الفارق في العمل الإعلامي، ومؤكداً أن الإشكال لا يكمن في الاستخدام، بل في طريقة الاستخدام.