فيما طالب مختصون بترشيد الاستهلاك خلال رمضان

تنوع ووفرة الإنتاج المحلي يخفّفان من لهفة الشراء

تنوع ووفرة الإنتاج المحلي يخفّفان من لهفة الشراء
  • 287
رشيدة بلال رشيدة بلال

❊ الإنتاج المحلي يفرض نفسه بأسعار تنافسية 

 ❊ الاعتماد على قائمة احتياجات فعلية ضرورة لتفادي التبذير 

شرعت العائلات في اقتناء مستلزماتها من المواد الغذائية الخاصة بشهر رمضان، في حركة تعكس اقتراب حلول الشهر الفضيل، الذي يحل بعد أيام معدودات. وفي المقابل وفّرت المحلات التجارية والمساحات الكبرى مختلف السلع الاستهلاكية بأسعار تنافسية جدا، كان فيها الإنتاج المحلي العلامة الأبرز.

وتنوّعت المعروضات واختلفت أحجامها وأشكالها لتتناسب مع ميزانية كل أسرة، من مصبرات ومخللات، وفواكه جافة، ومشتقات الحليب والأجبان، والمكسرات، وغيرها من المواد الغذائية التي يزداد الطلب عليها خلال هذه الفترة، على غرار الزيت، والسكر، والفرينة. كما عُرضت بعض السلع بطرق فنية جذابة لاستقطاب المستهلك، الذي أكد في كل مرة، على وفرة المنتجات، الأمر الذي خفف من شبح اللهفة.

ووقفت "المساء" خلال جولة استطلاعية قادتها عبر عدد من المحلات التجارية الصغيرة ببعض الأحياء، وكذا المساحات التجارية الكبرى بالبليدة؛ حيث سجلت الإقبال الكبير للمستهلكين على اقتناء مختلف المواد الغذائية. وحسبما لوحظ وأكده عدد من الباعة، فإن الوفرة ميّزت النشاط التجاري الرمضاني لهذه السنة، حيث تتوفر جميع المواد الغذائية، سواء الأساسية منها أو الكمالية، وبأسعار مريحة تتجاوب وميزانية مختلف شرائح المجتمع.

وفي هذا السياق، أوضح المكلف بالتسيير على مستوى إحدى المساحات التجارية الكبرى ببلدية العفرون، أن المنتجين المحليين سعوا إلى عرض منتجاتهم في أحجام صغيرة، وبأسعار معقولة جدا، لتمكين جميع المواطنين من اقتناء ما يرغبون فيه، كل حسب ميزانيته. وأضاف أن "كل خير متوفر"، سواء تعلق الأمر بالمخللات أو المصبرات أو الأجبان أو المكسرات أو الفواكه المجففة، وحتى المواد المخصصة لتحضير "البوراك"، التي أبدع المنتجون في تقديمها بطرق عصرية، ومغلفة بأسلوب احترافي، يعكس ارتقاء الإنتاج المحلي، حيث يجد بعض المستهلكين صعوبة في الاختيار، فيضطرون لطلب المساعدة.

وأشار المتحدث إلى أن المواد الغذائية المدعمة، بدورها متوفرة، مثل السكر والزيت والفرينة، بكميات كبيرة؛ ما يعني – حسبه – أنه لا داعي للهفة أو الازدحام، لأن السلع متوفرة باستمرار، وحتى في حال نفاد بعضها وعلى رأسها  الزيت، يتم تزويد المحل، بشكل منتظم، بكل المواد الغذائية الضرورية والكمالية.

التغليف الراقي والعرض الفني لاستقطاب الزبائن

شدّ انتباه "المساء" خلال زيارتها لإحدى المساحات التجارية الكبرى ببلدية العفرون والمتمثلة في "سوبيرات الخير"، سعي الطاقم العامل إلى إبراز جودة المنتوج المحلي عبر اعتماد طرق إبداعية في العرض؛ لجلب واستقطاب المستهلكين. وقد تجلّى ذلك من خلال إبراز بعض المنتجات المحلية التي برع منتجها في تغليفها بأساليب تعكس ارتقاء المنتوج الوطني، بينما سعى منتجون آخرون إلى تعبئة مجموعة من المواد الغذائية في علبة واحدة، تحوي مجموعة من المواد، كُتب عليها " خاص برمضان "، وبسعر تنافسي، إذ تحتوي العلبة على فرينة، وطماطم، ومربى، وكسكسي، وزيت من الحجم الصغير، وقارورة مشروب غازي بسعر 550 دج.

كما وقفت "المساء" على مواد غذائية كان المستهلك يقتنيها سابقًا بالميزان، مثل الفواكه المجففة المستعملة في تحضير "طاجين اللحم الحلو"، حيث باتت تُعرض معبأة في أكياس خاصة، تسهّل للزبون عملية الشراء، من خلال اقتناء كيس جاهز يحتوي على الكمية المطلوبة. و الأمر ذاته في مادة الفريك، إذ قُدر ثمن الكيلوغرام بـ 280 دج. وحتى بعض المنتجات التقليدية مثل "مقرون لعمى" التي هي الأخرى كانت حاضرة، ومقدمة في شكل معلَّب راقٍ، وكذا الأجبان التي تعكس، بدورها، جودة الإنتاج المحلي، من خلال تقديمها بأذواق وأشكال متنوعة، ومعبأة في علب مصممة بطريقة تجارية تشد الانتباه.

وفي هذا الإطار، أكد ياسر بائع في نفس المحل، أن الإنتاج المحلي عرف في السنوات الأخيرة، تطورًا ملحوظًا، خاصة من حيث طريقة العرض، والتغليف، إلى درجة أصبح من الصعب التفريق بين المنتج المحلي والمستورد بالنظر إلى اهتمام المنتجين المحليين بالجانب الجمالي والتنافسي لمنتجاتهم، دون إغفال نوعية المنتوج، بدليل أن بعض المستهلكين باتوا يطلبون منتجات معيّنة بالاسم، ويشيدون بجودة المنتج. وأضاف المتحدث أن شهر رمضان هذه السنة، يشهد وفرة كبيرة في مختلف المنتجات المدعمة منها، مثل الفرينة، والزيت، والسكر والقهوة، وغير المدعمة التي يكثر عليها الطلب، على غرار المخللات، و المصبرات، والأجبان، والمعجنات المستعملة في تحضير الحلويات الرمضانية.

زيادة عدد العمال.. والتسوق اليومي  لتلبية الطلب الكبير

خلال تواجد "المساء" بإحدى المساحات التجارية الكبرى بمدينة البليدة، وقفت على توافد كبير من المواطنين، على اقتناء مختلف السلع الرمضانية رغم الوفرة المسجلة. وحسب بعض التجار، فإن الإقبال الكبير دفعهم إلى رفع عدد العمال وزيادة وتيرة التموين، حيث كانت عملية التموين قبل حلول شهر شعبان، تتم بمعدل ثلاثة أيام في الأسبوع، لتصبح يوميا مع اقتراب شهر رمضان، ما يعكس حجم الطلب على المواد الغذائية الأساسية والكمالية.

وأرجع بعض التجار هذا السلوك إلى استمرار ثقافة اللهفة من المستهلك الجزائري رغم التأكيد المتكرر على توفر السلع، وبكميات كبيرة ومتنوعة، تعكس تنوع الإنتاج المحلي، فيما فسر آخرون هذا التوافد الكبير برغبة العائلات في تأمين احتياجات المطبخ، خاصة بعض المواد الأساسية مثل الزيت، تفاديًا للازدحام عشية رمضان، وكذا مراعاة للميزانية المحدودة لبعض الأسر. وهو ما أكدته إحدى المواطنات، التي أوضحت أن دخل زوجها محدود، ما يدفعها إلى اقتناء بعض المواد الضرورية مسبقًا؛ لضمان تحضير المائدة الرمضانية، مشيرة إلى أن عملية الشراء لا تعني وجود ندرة؛ قالت: "كل خير متوفر… الدراهم فقط"، في إشارة إلى اختلاف الأسعار من منتج لآخر.


مديرية التجارة بالبليدة:

كل المواد الاستهلاكية متوفرة

رصدت "المساء" لهفة كبيرة من بعض المواطنين في اقتناء مادة الزيت، وهو ما أكده أيضا بعض التجار، مرجعين ذلك إلى الخوف من نفادها بسرعة من المحلات، وهو ما يعطي انطباعًا بوجود ندرة رغم أن المصالح المختصة بما فيها مصالح التجارة، أكدت وفرة مختلف المنتجات بكميات كبيرة جدا، داعية المستهلكين إلى تفادي مثل هذا السلوك. 

ونفت، في هذا السياق، مديرية التجارة لولاية البليدة، وجودة نقص في مادة الزيت، حيث أكد محمد حاج مهدي، رئيس مصلحة حماية المستهلك وقمع الغش، في تصريح لـ«المساء"، أن جميع المواد الغذائية متوفرة، وبكميات كبيرة، داعيًا إلى تغيير الثقافة الاستهلاكية، والابتعاد عن مظاهر اللهفة. وأوضح أن مادة الزيت، على سبيل المثال، يتم تموين السوق بها من طرف أكثر من أربعة متعاملين، وبكميات معتبرة تُوزع يوميًا.

وأضاف أن مصالح المديرية تتلقى بعض الانشغالات المتعلقة بإشاعات مغرضة حول احتمال اختفاء بعض المواد، مؤكّدًا أن الدولة قضت نهائيًا على إشكالية الندرة، ولا وجود لأي نقص في المواد الاستهلاكية. كما شدد على أن أعوان المديرية، بالتنسيق مع مصالح الأمن، متواجدون ميدانيًا لضبط السوق، ومراقبة التجار، والتصدي لأي شكل من أشكال المضاربة، مع اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة ضد المخالفين.


 عضو منظمة  حماية المستهلك  وحيد بن راجة:

التخطيط المسبق يقضي على اللهفة

أوضح وحيد بن راجة، مختص في حماية المستهلك، أن الإقبال المتزايد على الشراء قبيل رمضان، أمر طبيعي، غير أن هذا التلهف ينبغي أن يكون مضبوطًا بسلوك استهلاكي عقلاني، يراعي مصلحة الأسرة، واستقرار السوق في آن واحد. ويتحقق ذلك – حسبه – من خلال التخطيط المسبق للمشتريات، واقتناء الكميات اللازمة فقط دون إفراط، مع توزيع عملية الشراء على فترات بدل التهافت في وقت قصير.

ودعا بن راجة إلى الاعتماد على قائمة احتياجات فعلية، ومقارنة الأسعار، وتفادي الانسياق وراء العروض الشكلية أو الخوف من نفاد السلع. وهو سلوك سلبي يتكرر كل سنة رغم وفرة المواد واسعة الاستهلاك. وأضاف أن السلوك المتوازن للمستهلك يساهم، مباشرة، في الحفاظ على الوفرة، والحد من الاضطرابات وارتفاع الأسعار.

وفي السياق ذاته، طمأن المختص المستهلكين بأن وضعية السوق على مستوى ولاية البليدة، مطمئنة، مشيرًا إلى مشاركته رفقة المنظمة الجزائرية لحماية المستهلك – مكتب البليدة – في خرجات ميدانية مع مديرية التجارة، للوقوف على مدى ضمان وفرة المواد الغذائية عبر وحدات الإنتاج، ومراكز التوزيع، والفضاءات التجارية الكبرى؛ حيث تم تسجيل وفرة معتبرة، وتنوع في المنتجات، لا سيما زيت المائدة، والفرينة، والحليب ومشتقاته رغم تسجيل ارتفاع في الطلب على بعض المواد، بنسبة قد تصل إلى 80%، خاصة مادة الزيت.

كما أشار إلى أن أسواق الجملة بكل من بوقرة وبوفاريك، شهدت وفرة في الخضر مع استقرار نسبي في الأسعار. غير أن أسعار التجزئة أظهرت تباينًا واضحًا مقارنة بأسعار الجملة، خاصة من حيث هامش الربح الذي بلغ في بعض المواد، نحو 60 دينارًا. وختم بن راجة بالتأكيد على أن السلوك الاستهلاكي غير العقلاني لبعض العائلات قبيل رمضان، ينعكس سلبًا على وفرة السلع. وقد يعطي انطباعًا خاطئًا بوجود نقص، داعيًا المواطنين إلى اعتماد سلوك متوازن، وتجنب التخزين غير المبرر.


الأسواق التضامنية خيار استهلاكي يدعم القدرة الشرائية

في الوقت الذي اختارت بعض العائلات التسوق المبكر واقتناء ما تحتاج إليه المائدة الرمضانية من مواد غذائية ضرورية واغتنام فرصة الوفرة المسجلة بمختلف المحلات والمساحات التجارية الكبرى والأسواق، قررت عائلات أخرى ترقب افتتاح الأسواق التضامنية، التي تحولت إلى تقليد، يهدف إلى دعم القدرة الشرائية للمواطن. وتُعدّ هذه الأسواق، حسب البعض، خيارًا مفضلًا، خاصة أنها تبيع مختلف المنتجات الغذائية بسعر الإنتاج، أي من المنتج إلى المستهلك مباشرة. 

وحسب ما جاء على لسان بعض المواطنين، فإن الأسواق التضامنية توفر بدورها، جميع السلع الاستهلاكية التي يحتاج إليها المستهلك خلال شهر رمضان، سواء تعلق الأمر باللحوم البيضاء أو المصبرات أو المعلبات أو العجائن، وبالتالي، على حد قولهم، لا داعي للاستعجال أو اللهفة مادامت السلع متوفرة، وبكميات كافية. وفي السياق ذاته، أوضح محمد حاج مهدي، رئيس مصلحة بمديرية التجارة، أن ولاية البليدة ستكون، قبل أسبوع من حلول شهر رمضان، على موعد مع فتح عشرة أسواق تضامنية، تعرف مشاركة 160 متعامل ومنتج. وتهدف هذه الأسواق إلى تمكين المستهلك من اقتناء المنتجات مباشرة من المنتج، وبسعر الإنتاج؛ من أجل كسر الأسعار التي قد تعرف ارتفاعًا، والتصدي لبعض التجاوزات التي يقوم بها بعض التجار.