نسيبة العربي سفيرة المطبخ التقليدي الجزائري لـ”المساء":
تقاليدنا عريقة وأطباقنا تنبض بذاكرة حية
- 199
أحلام محي الدين
في زمن تتقاطع فيه الثقافات وتتلاشى الحدود الجغرافية يبرز الحنين إلى الجذور كحصن أمين للهوية والانتماء. ومن قلب الاغتراب استطاعت الباحثة والمهتمة بالتراث الغذائي الجزائري السيدة نسيبة العربي، أن تخطّ طريقا فريدا من نوعه لتوثيق المطبخ الجزائري التقليدي، تجاوزت عرضه كوصفات لإعداد الطعام، لتحوله إلى ملحمة تاريخية وإنسانية تنبض بالحكايات والذكريات من خلال كتابها “دوق من جزائري”، حيث سافرت بالحضور الذي رافق تفاصيل مداخلتها حول خصوصية المطبخ الجزائري مع تقديمها لكتابها، إلى عوالم كثيرة.
بدأت رحلة نسيبة العربي بتقديم مقدمات لبرامج الطبخ ضمن فعاليات الطبعة الحادية عشرة من المهرجان الثقافي الوطني إبداعات التي احتضنتها فيلا بولكين بالعاصمة؛ حيث قادها الشغف أبعد من ذلك بكثير، وانخرطت في إعداد أبحاث معمقة حول وصفات المطبخ التقليدي الجزائري. ولم تكن تلك الخطوة تدوينا لمقادير وطرق تحضير فحسب، بل جاءت تلبية لنداء الإبداع والمسؤولية تجاه الأجيال الصاعدة من أبناء الجالية الجزائرية في الخارج. حيث أكدت في معرض حديثها مع "المساء"، أنها تقدم العديد من المحاضرات بباريس، وغيرها من المدن الأوربية. وتحرص على تعريف أبناء الجالية بتفاصيل جماليات العادات والتقاليد الجزائرية، وأسرار الأطباق، وحكاياتها؛ إذ جعلت الحكاية مرافقا حيا وشاهدا يروي تفاصيل حزام المجاهد الذي وضع على الطاولة، ولا يمكن تصور حكاية طبق دون مقدمة عمادها "كان يا مكان".
حضور قوي للأدوات النحاسية والفخارية القديمة
تقول نسيبة في شهادتها: “أنا أقطن بالخارج، ولديَّ طريقتي الخاصة لجعل هذا الجيل من جاليتنا يعرف حكاية هذا الطبخ الذي نفتخر به؛ لهذا عمدت إلى جلبهم لهذه الأطباق، والعادات”. ومن هنا تحولت كل وصفة في مشروعها إلى نافذة تطل على الماضي مقرونة إما بذكريات شخصية عابرة، وكيفية عيشها. وإما بحكايات متناقلة عن أصل الطبق، وجذوره التاريخية؛ حيث يُعرض كل طبق مع قطعة من الأدوات المنزلية كالمرش الذي يحمل العطور أو ماء الزهر، و “طبسي الفخار” أو “طبسي العشاوات” النحاسي، فخر الأعراس الجزائرية واللمات.
ولم يقتصر إنجاز نسيبة على سرد الوصفات، بل تجسد في مؤرَّخ ضخم يزن نحو كيلوغرامين، ويضم 82 وصفة متكاملة. حمل اسم “ذوق من جزائري”، منها دولمة الخرشف باللحم، والرشتة، والبطاطا جواز بالفلفل، والثريدة، والكسكسي. وكل وصفة خصصت لها أربع صفحات كاملة تتقاطع فيها الحكاية بالذكرى والتاريخ والخيال الإنساني.
وأوضحت نسيبة العربي أن هذا الكتاب لا يستقر على زوايا المطابخ فحسب، بل يمتد ليطرق أبواب غرف المعيشة، وحكايات قبل النوم للأطفال؛ فهو يمنح الأطباق الجزائرية ما تسميه بـ “الشرعية التاريخية”. وحين تحكي نسيبة عن “الجفنة” والكسكسي الموروث عن الجدات والأمات وكذا “محبس النحاس” الذي عاد بقوة ليأخذ مكانه بدل علب الحلويات التقليدية ليحمل مقروط العسل، فإنها تقدم دليلا دامغا وعميقا على أصالة هذه الأطباق.
وتؤكد نسيبة أن مشروعها لاقى إقبالا واسعا، لا سيما لدى أفراد الجالية، وحتى لدى المجتمع الفرنسي. وغالبا ما يواجه التراث الجزائري محاولات تهميش أو إنكار من بعض الأوساط الأجنبية. غير أن استرجاع “الذكريات” وحكاية تفاصيل الأكل منذ الطفولة المبكرة، يشكل ردا علميا وتاريخا دامغا، يثبت أنّ لكل طبق جزائري قصةً ووجودا راسخا عبر الزمن.
كما تضرب نسيبة موعدا لمحبي الأصالة للتعرف على كتابها بمعرض “سيلا” خلال أواخر شهر أكتوبر في جلسة بيع بالتوقيع. كما أكدت في حديثها مع “ المساء” أنها ستعمد للحفاظ على كل ما تحمله ذاكرتها مادامت قادرة على الحفظ، والسرد؛ تقول: “سأكتب كل التفاصيل، وأبحث في جماليات الماضي قبل أن يباغتني النسيان البشري بدافع الكبر في السن، لينتفع الجيل مما تركته الأمهات والجدات في قالب أصيل يورَّث للأجيال القادمة”.