من أسماء الجدات إلى تقليد المسلسلات

تسمية المواليد بين الذوق الاجتماعي والتنظيم الإداري

تسمية المواليد بين الذوق الاجتماعي والتنظيم الإداري
  • 127
نور الهدى بوطيبة نور الهدى بوطيبة

لم تعد عملية اختيار اسم المولود الجديد مجرد خطوة عائلية عابرة، تسبق استخراج الوثائق الرسمية وتسجيل الطفل في سجلات الحالة المدنية، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة، الى ظاهرة اجتماعية، تعكس تحولات عميقة يعيشها المجتمع، وتكشف في الوقت نفسه، عن تغيرات مست جوانب عديدة من حياة الأسر، وطرق تفكيرها، وتصوراتها للمستقبل. فالاسم الذي كان في الماضي يرتبط غالبا بالموروث العائلي والديني والثقافي، أصبح اليوم يخضع لتأثيرات متعددة، تتداخل فيها الموضة، والإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي، والأعمال الدرامية، والمسلسلات، وحتى الشخصيات المشهورة التي يتابعها الملايين عبر الشاشات والهواتف الذكية.

وفي خضم هذا التحول المتسارع، يعود ملف الأسماء الى واجهة النقاش الاجتماعي من جديد، خاصة بعد الإعلان عن إجراءات جديدة تداولت بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي، تتعلق بمنع استعمال بعض الأسماء التي تم نشرها ضمن قائمة خاصة، من المرتقب دخولها حيز التطبيق ـ وفق ما كشف موظفو بعض البلديات ـ خلال الفترة المقبلة. وهي إجراءات لم يتم الكشف بشكل مفصل عن جميع أسبابها ودوافعها الى حد الآن، الأمر الذي دفع الى التساؤل عن طبيعة التحولات التي عرفها مجال التسمية خلال السنوات الأخيرة، والعوامل التي جعلت بعض الأسر تتجه بشكل متزايد، نحو اختيار أسماء أجنبية أو نادرة، بعيدا عن الأسماء التقليدية المتداولة منذ عقود.

وبالعودة للوراء قليلا، يلاحَظ أن أغلب العائلات كانت تعتمد في تسمية أبنائها على أسماء متوارَثة داخل الأسرة، أو مستمَدة من شخصيات دينية وتاريخية معروفة، حيث كان الجد والجدة في كثير من الأحيان، يشاركان في اختيار الاسم. وكان الحفاظ على استمرارية بعض الأسماء داخل العائلة يمثل قيمة اجتماعية مهمة. غير أن هذا المشهد بدأ يتغير تدريجيا مع تطور وسائل الاتصال، والانفتاح الكبير على ثقافات مختلفة، لتظهر موجة جديدة من الأسماء التي لم تكن معروفة من قبل في المجتمع، أو كانت نادرة الاستعمال بشكل كبير.

ومع الانتشار الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي أصبح الآباء والأمهات يطلعون يوميا على آلاف الأسماء المتداوَلة في مختلف دول العالم. كما باتت صفحات متخصصة تقترح قوائم طويلة من الأسماء الحديثة، مصحوبة بمعانيها، وأصولها. وهو ما ساهم في توسيع دائرة الخيارات أمام الأسر. ولم يعد البحث يقتصر على الاسم الجميل فحسب، بل أصبح البعض يبحث عن الاسم المختلف والنادر الذي يلفت الانتباه، ويمنح صاحبه نوعا من التميز.

ويبدو أن المسلسلات والأعمال الدرامية لعبت هي الأخرى، دورا بارزا في هذا المجال، حيث ارتفعت شعبية العديد من الأسماء بعد نجاح شخصيات معينة في أعمال تلفزيونية حققت نسب مشاهدة مرتفعة، حسبما يشهد المجتمع اليوم من أسماء بعضها غريب جدا عن مسامع الجزائريين. ويعترف كثير من الأولياء بأن اختيارهم اسما معيّنا كان نتيجة إعجابهم بشخصية درامية، أو ممثل مشهور، أو حتى مؤثر يتابعونه عبر المنصات الرقمية. هذا التأثر لم يعد يقتصر على جيل الشباب فقط، بل امتد ليشمل فئات عمرية مختلفة، أصبحت تتفاعل، بشكل يومي، مع المحتوى الرقمي القادم من مختلف أنحاء العالم.

الاسم من المؤشرات الاجتماعية المهمة

وفي حديثه عن هذه الظاهرة قال خبير علم الاجتماع إبراهيم حرباش وأستاذ الاجتماع بجامعة الجزائر، إن الاسم يُعد من المؤشرات الاجتماعية المهمة التي تعكس طبيعة المرحلة التي يعيشها المجتمع، موضحا أن تغير أنماط التسمية ليس أمرا جديدا، لكنه أصبح أكثر سرعة وانتشارا بفعل الثورة الرقمية. وأشار الى أن وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في تقريب المسافات بين الثقافات المختلفة، ما جعل الكثير من العائلات تتعرف على أسماء جديدة لم تكن متداولة في محيطها الاجتماعي من قبل. كما أكد أن بعض الأسر أصبحت تنظر الى الاسم باعتباره جزءا من صورة اجتماعية حديثة ترغب في إبرازها في ظل الرغبة المتزايدة في التميز والاختلاف.

وأضاف المتحدث أن استمرار حضور الأسماء التقليدية الى جانب ظهور أسماء جديدة، يعكس حالة من التنوع الاجتماعي والثقافي، موضحا أن كل جيل يترك بصمته الخاصة في طريقة اختيار الأسماء، تماما كما يحدث في مجالات اللباس، واللغة، والعادات اليومية. ويرى أن التطورات الحالية تعبّر عن تفاعل المجتمع مع محيطه المتغير، مع بقاء العديد من العائلات متمسكة في الوقت نفسه، بالأسماء التي تحمل رمزية تاريخية وثقافية ودينية راسخة.

وأكد المتحدث عدم صدور وثيقة رسمية تمنع تداول بعض الأسماء، مشيرا: “وفق مصادر إعلامية وتحقيقات صحفية، فإن التعامل مع الأسماء في الحالة المدنية في الجزائر، يتم وفق مبدأ عام وليس قائمة ثابتة نهائية، حيث تُرفض بعض الأسماء إذا عُدت مخالفة للهوية الوطنية، أو غير مألوفة في الاستعمال، أو قد تسبب مشاكل اجتماعية أو إدارية، مثل الأسماء ذات الطابع الدخيل جدا، أو التي تحمل دلالات دينية أو ثقافية حساسة، أو غير المتوافقة مع الأعراف المحلية، وهو ما يفسر اختلاف القرارات بين البلديات أحيانا”.

وشدد الخبير على أنه مع استمرار هذا الجدل الاجتماعي حول الأسماء بين التقليد والحداثة، يبرز، أيضا، جانب آخر لا يقل أهمية، يتعلق بتأثير الاسم على شخصية الطفل لاحقا داخل المجتمع. ويرى المختص أن الاسم قد يرافق الفرد في مساره الدراسي، والمهني، والاجتماعي، سواء من حيث سهولة تقبّله، أو من حيث طريقة تفاعل الآخرين معه، وهو ما يجعل اختيار الاسم بالنسبة لبعض العائلات، قرارا يتجاوز الجانب العاطفي أو الذوقي فقط، ليأخذ أيضا بعدا مرتبطا بصورة الطفل داخل المجتمع في المستقبل.

كما يلاحَظ في السنوات الأخيرة أن بعض الأسر بدأت تميل إلى البحث عن توازن بين الأصالة والحداثة في اختيار الأسماء، من خلال الجمع بين أسماء ذات جذور ثقافية مع لمسات حديثة في النطق أو الكتابة، أو اختيار أسماء مألوفة ولكن غير شائعة بكثرة؛ في محاولة للحفاظ على الهوية من جهة، ومواكبة التغيرات الاجتماعية من جهة أخرى. وشدد في الأخير على أهمية حسن اختيار اسم الطفل أو البنت؛ لأنه سيكون مرآة ترافقه طيلة الحياة. ولا يجب أبدا الانسياق نحو موضة الأسماء، أو الميول الى الغريب منها أو أقلها شيوعا؛ لأنها مع مرور السنوات قد تصبح غير صالحة، مؤكدا أن الكثيرين اليوم يعودون الى الأسماء القديمة الجميلة، التي حملتها الجدات والأمهات والعمات والخالات؛ كانت كلاسيكية لكنها جميلة وراقية. وأكد أن أكثر الأسماء تأثيرا الخاصة بالفتيات؛ إذ يمكن الابداع فيها، على حد تعبيره، على عكس أسماء الذكور، التي تكون عادة نفسها تتكرر، ولها معان واضحة، وهو ما يجعل القوائم الممنوعة في الغالب لأسماء بنات لا ذكور.