تشتهر به البيوت العنابية
"ترقيد الزيتون".. موروث عائلي ومصدر رزق
- 166
سميرة عوام
يركز سكان عنابة هذه الأيام، على عملية ترقيد الزيتون، حيث تتحول المطابخ والأفنية المنزلية إلى فضاء مملوء بالحركة، تنبض برائحة الزيتون الطازج والتوابل العطرية. ولا يقتصر هذا الموسم على اقتناء الحبات الخام من الأسواق الشعبية المعروفة، مثل سوق "الحطاب" وسوق "سيدي سالم"، بل يتعداه إلى عملية "ترقيد الزيتون" (التصبير المنزلي) التي تعد فنا عائليا متوارثا، وحرفة يدوية تتحول تدريجيا إلى مصدر رزق حقيقي، وفرصة لتمكين العائلات والنساء الماكثات في البيوت، من تحقيق الاستقلال المالي ودعم ميزانية الأسرة، في ظل التحديات الاقتصادية اليومية.
تمثل عملية ترقيد الزيتون في البيوت العنابية، تقليدا سنويا راسخا، يبدأ فور انطلاق جني المحصول من أشجار الزيتون المنتشرة في المناطق الفلاحية بالمنطقة. وتمر هذه العملية، بمراحل دقيقة، تضمن جودة النكهة وديمومتها طوال العام، تبدأ العملية بغسل حبات الزيتون الأخضر أو الأسود بعناية فائقة، ثم فرزها حسب الحجم، وإجراء شقوق دقيقة في الحبات (الكسر أو التشريح) لتسهيل خروج المذاق المر. ثم يغمر الزيتون في مياه نقية، يتم تغييرها يوميا لعدة أيام متتالية، حتى يفقد مرارته الطبيعية تماما ويصبح جاهزا لمرحلة التتبيل والتنقية.
كما تضاف الكميات المجهزة بدقة من الملح الخشن، تليها شرائح الليمون الطازج، والفلفل الحار، وأوراق الغار (الرند) التي تضفي نكهة مميزة وعميقة على المحصول، ولصلاحية الزيتون، يغمر في الماء المالح المخلوط بقليل من الزيت، لإنشاء طبقة عازلة تمنع تلفه، ليصبح جاهزا بعد أسابيع للاستهلاك اليومي، أو للتخزين الطويل، استعدادا لشهر رمضان المبارك.
من المطبخ المنزلي إلى السوق..
لم يعد ترقيد الزيتون محصورا في إطار الاستهلاك العائلي الضيق، بل استغلته العديد من النساء والشباب الطموح لتحويل هذه المهارة التقليدية إلى مشروع اقتصادي مصغر، يدر دخلا معتبرا، يساعد على تغطية النفقات اليومية، حيث تقوم ربات البيوت بتحضير كميات مضاعفة من الزيتون المتبل بالطرق التقليدية المعروِفة، وتعبئتها في أوان بلاستيكية محكمة الإغلاق، ذات أحجام مختلفة، لتلبية طلبات الزبائن المتزايدة، كما يعتمد التسويق على شبكة العلاقات الاجتماعية والمحلية، حيث يباع المنتوج مباشرة للجيران، المعارف والأقارب، إضافة إلى تزويد أصحاب محلات المواد الغذائية بالتجزئة في الأسواق الشعبية. ولضمان جودة المنتوج المنزلي، يفضل الكثير من المستهلكين الزيتون المنزلي، لنظافته وخلوه من المواد الحافظة الكيميائية، واهتمام العائلات بالتفاصيل الدقيقة في التحضير، مما يمنحه ميزة جيدة وقدرة عالية على المنافسة في السوق المحلية.
مورد رزق لمجابهة أعباء المعيشة
يمنح هذا النشاط الموسمي، العائلات، فرصة حقيقية لتحسين دخلها اليومي، ومواجهة غلاء المعيشة بكرامة واعتماد على الذات. فالعمل اليدوي المنزلي يعكس ثقافة الإنتاج والقدرة على تحويل المهارات البسيطة إلى حرفة يسترزق منها، وتعزز الاقتصاد المحلي.