الإشهار الرقمي يغزو صفحات التواصل الاجتماعي
تحفيز استهلاكي أم تضليل للمستهلك قبل الشهر الفضيل
- 185
نور الهدى بوطيبة
تعود ملامح التحضير لشهر رمضان في المجتمع الجزائري، بازدحام الأسواق وارتفاع الطلب على المواد الغذائية، ويرافق ذلك، حضور مكثف للإعلانات الإشهارية، خاصة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حضور لم يعد يقتصر على التعريف بالمنتجات، بل أصبح عنصرا مؤثرا في تشكيل سلوك المستهلك، ودفعه إلى أنماط استهلاك، تتجاوز في كثير من الأحيان حاجته الفعلية، ما يطرح تساؤلات حول دور هذه الإعلانات بين التحفيز للمشروع، والتضليل الاستهلاكي، لدفع الفرد إلى الاستهلاك أكثر وأكثر.
تحولت منصات التواصل، على غرار "فايسبوك"، "انستغرام" و"تيك توك"، في السنوات الأخيرة، إلى فضاء رئيسي بهدف الترويج للسلع الرمضانية، من مواد غذائية إلى أواني المطبخ والعروض الخاصة بهذا الشهر الكريم، ومع كثافة الرسائل الإشهارية وتكرارها، يجد المستهلك نفسه محاصرا بإيحاءات تدفعه للشراء المبكر والتخزين المفرط، وكأن رمضان موسم استهلاك قبل أن يكون شهر عبادة وتنظيم للنفس، هذا الواقع أصبح ملموسا في الشارع، حيث يرتفع حجم المشتريات قبل أسابيع من رمضان، حتى لدى الأسر محدودة الدخل.ومع اقتراب حلول هذه المناسبة الدينية العظيمة في نفوس كل المسلمين، تدخل الأسواق الجزائرية مرحلة خاصة، تتغير فيها وتيرة الاستهلاك ويكون لها شكل لافت، حيث ترتفع المشتريات ويزداد الإقبال على مختلف المواد الغذائية، حتى تلك التي لا تعد من الضروريات اليومية أو الاستهلاك "الكلاسيكي"، هذا التحول لا يحدث بمعزل عن السياق الإعلامي، إذ ترافقه موجة واسعة من الإعلانات الإشهارية، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، التي أصبحت المصدر الأول للتأثير على قرارات الشراء، والتي مع تزايد هذا التأثير، يبرُزُ جدل متصاعد حول الدور الذي تلعبه هذه الإعلانات في توجيه سلوك المستهلك، بين التحفيز الطبيعي للاستهلاك والتضليل الذي يدفع نحو الإفراط.
حول هذا الموضوع، تحدث عبد الحميد خيار، أستاذ في علم الاجتماعي، لـ"المساء"، قائلا: "إن ثقافة اقتناء أدوات جديدة، على غرار الأواني والأفرشة أو الديكور، من العادات القديمة للمجتمع الجزائري، كغيره من المجتمعات المسلمة الأخرى، ترحيبا بالشهر الفضيل، وعلى أن تكون تلك المقتنيات فألا جديدا يضفي أجواء جميلة على البيت، خلال هذه المناسبة، لكن كان الأمر في حدود المعقول"، على حد تعبيره، مسترسلا: "لكن اليوم، الإعلانات عبر مواقع التواصل أثرت بشكل واضح على السلوك الجماعي للمستهلك الجزائري"، موضحا أن هذا النوع من الإشهار لا يخاطب الحاجة الحقيقية، بقدر ما يخاطب العاطفة والخوف من النقص، خاصة باستعمال عبارات مثل "لا تفوت العرض" أو "لا تفوتك الفرصة"، أو "استفذ من مزايا العروض".. وغيرها من العبارات الترويجية التي تضع الفرد أمام خيار محدودية الوقت، للتفكير واتخاذ قرار الشراء، هذا الخطاب، حسب المتحدث، "يخلق نوعا من القلق الاجتماعي، ويدفع الأفراد إلى تقليد بعضهم البعض، فتتحول الممارسات الفردية إلى سلوك جماعي، مبني على المقارنة والمظهر الاجتماعي، لا على الحاجة”.أضاف المختص، أن ثقافة "التخزين"، بل وحتى التكديس، أصبحت مرتبطة ذهنيا برمضان، رغم أن هذا الشهر يقوم في جوهره على التخفيف وضبط السلوك. وليس على الاستهلاك المفرط لمواد غذائية أو أوانٍ أو حتى أفرشة، وقطع ديكور ربما يحوز الفرد على عدة أنواع منها، بل يتحول سلوكه إلى استهلاكي، غايته تتبع ما هو حديث وجديد في السوق، وما تنشره مواقع التواصل عبر الصفحات.
حذار.. بعض الإعلانات تعتمد تضليل المستهلك
أما ياسين أوعيسات، أستاذ الاقتصاد، فيرى أن الإعلانات الرقمية تلعب دورا مباشرا في رفع الطلب بشكل غير متوازن، ما يساهم في الضغط على السوق وارتفاع الأسعار، حتى في غياب ندرة حقيقية للسلع، ويشرح قائلا: “بعض الإعلانات تعتمد على تضليل المستهلك، من خلال الترويج لعروض وهمية أو تخفيضات غير حقيقية، مستغلة ضعف الوعي الاستهلاكي وسرعة انتشار المحتوى عبر مواقع التواصل، للقيام بذلك، والنجاح فيه من خلال تلك السبل التي تلعب على النفس خاصة”، وأشار إلى أن الاستهلاك المفرط قبل رمضان لا ينعكس إيجابا على الاقتصاد الأسري، وميزانيته العامة، خصوصا عند تقارب المناسبات، مثلا عيد الفطر، ثم عيد الأضحى المبارك، بل ويؤدي إلى اختلال في الميزانية الشهرية، ما يزيد من الأعباء المالية خلال تلك الأشهر، والدخول في ضيق مالي والاستدانة من أطراف أخرى.
ويؤكد الأستاذ، أن الحل لا يكمن فقط في ضبط الإعلانات، بل وفي تعزيز وعي المستهلك الجزائري، بضرورة التمييز بين الحاجة والرغبة، وعدم الانسياق وراء الرسائل التسويقية التي تقدم في قالب ديني أو رمضاني، فالاستهلاك الواعي، حسبه، يساهم في استقرار السوق ويحمي القدرة الشرائية، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.
أكد في الأخير، أن الإعلان والإشهار بطريقته الكلاسيكية، أو من خلال المنصات الرقمية، يلعب دورا أساسيا في التأثير على السلوك الاستهلاكي للفرد، خصوصا خلال المناسبات، بين دفع الفرد نحو استهلاك مفرط او حتى ممارسات غير واعية، بسبب التضليل، والرهان الحقيقي هو بناء وعي للمستهلك وجعله سيد قراراته الاستهلاكية، دون تأثيرات خارجية مهما كانت قوية وجذابة، تقي من الوقوع ضحية الاندفاع في الاستهلاك المفرط، والتواجد في خانة الضيق المالي غير الضروري.