الأسر تتيه وسط زحمة الأسواق قبل رمضان

تحضير مادي على حساب الاستعداد الروحاني

تحضير مادي على حساب الاستعداد الروحاني
  • 152
رشيدة بلال رشيدة بلال

تعيش العائلات الجزائرية، قبل حلول شهر شعبان، حركية كبيرة لتأمين كل مستلزمات الشهر الفضيل، سواء تعلق الأمر بالمواد الغذائية والاستهلاكية، أو بتجهيز المنازل وتحضيرها لاستقبال الضيوف، الأمر الذي جعل الاهتمام بالجانب المادي يطغى إلى حدٍّ كبير، على القيمة الروحية لشهر رمضان. فكيف هي الاستعدادات الروحية؟ وهل هي مدرجة فعلاً ضمن الأجندة الرمضانية للفوز بأعظم جائزة، وهي العتق من النار؟

في استطلاع للرأي، مس عددا من المستجوبين من ساكنة ولاية البليدة، حول الاستعداد لاستقبال شهر رمضان، تمحورت جل الإجابات حول الاستعدادات المادية، والمتمثلة في اقتناء ما أمكن من السلع الاستهلاكية التي تُعد ضرورية لتحضير المائدة الرمضانية، كاختيار نوع “الفريك” الجيد، والتوابل ذات الرائحة القوية، والأواني الجديدة، وأغطية الطاولات. كما شمل الاهتمام أيضاً، تنظيف المنازل وتجميلها وتغيير ما يمكن تغييره من أوانٍ وأثاث وديكورات، تحمل رموز الهلال والنجوم المضيئة، لتعكس أجواء الفرحة باستقبال الشهر الفضيل.

في المقابل، ظل الاستعداد الروحي مستبعداً، ولم يأتِ على ذكره، وكأن التحضير لشهر رمضان أصبح مادياً أكثر منه معنوياً، ما جعل “المساء”، تدقق في سؤالها بالتركيز على الاستعداد الروحي. فجاءت الإجابات متباينة، ففي الوقت الذي أقر بعض المستجوبين أن الاستعداد الروحي يكون بحلول شهر رمضان، من خلال الالتزام بصلاة التراويح وقراءة القرآن الكريم، في محاولة لختمه، والإكثار من الدعاء والتصدق على المساكين والفقراء، أكدت إجابات البعض الآخر، أن حرصهم على التحضير المادي لا يعني إغفال الجانب المعنوي، الذي لا يقتصر على مجرد شراء مستلزمات المائدة الرمضانية، بل يتعداه إلى الاستعداد الروحي، من خلال إصلاح ذات البين بين المتخاصمين، ونشر روح التسامح سواء مع الجيران أو بين أفراد الأسرة، قبل حلول شهر رمضان.

وحسبما جاء على لسان سيدة خمسينية من ساكنة بلدية العفرون، فإن الاستعداد الروحي لاستقبال شهر رمضان، يتمثل في تخصيص زاوية داخل المنزل، وتجهيزها لتكون مكاناً خاصاً بالتعبد، تضع فيها المصحف وكتب الأدعية. كما تحرص، في كل شهر رمضان، على اقتناء رداء جديد للصلاة، تعبيرا عن فرحتها بحلول الشهر الفضيل، لافتةً إلى أنها تجاهد نفسها خلال رمضان، حتى لا تمضي كل وقتها في المطبخ، وتحاول قدر الإمكان أداء صلاة التراويح والمشاركة في بعض الأنشطة الخيرية المتعلقة بإطعام الصائمين، معتبرة أن الجانب الروحي يسمو على الجانب المادي.

هكذا يتم الاستعداد الروحي لاستقبال شهر رمضان

ردا على السؤال: "متى وكيف يتم الاستعداد لاستقبال شهر رمضان؟"، عبر الأستاذ أحمد الشريف قبوب، إمام بالبليدة، عن أسفه، كون الاستعداد لاستقبال شهر رمضان أصبح يغلب عليه الطابع المادي أكثر من الروحي، وهو ما تعكسه الحركية الكبيرة التي تعرفها الأسواق، من أجل اقتناء كل ما يحتاجه المطبخ لتحضير المائدة الرمضانية.

وأضاف أن التحضير لاستقبال شهر رمضان، من المفروض أن يكون روحيا، من خلال تطهير القلوب والتسامح قبل حلول شهر رمضان، مستشهداً بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله”، مؤكداً أن القلب هو محل نظر الله تعالى. وأوضح الإمام قبوب، أن الأصل في المؤمن، هو الحرص على تطهير قلبه من الحسد والغيرة والكراهية، وغيرها من المشاعر السلبية، مع توجيه الاهتمام لتلاوة القرآن الكريم والإكثار من الطاعات، واستشعار الإيمان الروحي، والإكثار من الأعمال الخيرية والصدقات، ابتغاء التقرب إلى الله والفوز بالعتق من النار.

وفي السياق ذاته، شدد الإمام، على أن التحضيرات المادية التي تقوم بها المرأة عموماً، في كل ربوع الوطن، ليست محرمة ولا ممنوعة، وإنما يجب ألا تكون على حساب الجانب الروحي، وأن لا تطغى عليه، فيصبح كل الاهتمام منصباً على الماديات التي تُبعد عن القيمة الحقيقية لشهر رمضان، الذي يُعد من أفضل شهور السنة، لما فيه من خير وأجر عظيم.

وأضاف أن رمضان، ليس فرصة لتحقيق الأرباح أو التفاخر بما تم اقتناؤه، والتنافس على تحضير الأطباق، وإنما هو مجال للتنافس في العبادات. وارتأى، ونحن نعيش الأيام الأخيرة من شهر شعبان، التذكير بضرورة التحضير لبرنامج روحاني ديني، ينظم شؤون المسلم بين متطلبات المطبخ وما يحتاجه الشهر الفضيل من أدعية وقراءة القرآن وقيام الليل، والإكثار من فعل الخير والتعاون على البر والتقوى والتضامن.

كما دعا إلى استغلال البرامج التي تسطرها وزارة الشؤون الدينية، على غرار الأنشطة التي أقرتها مديرية الشؤون الدينية لولاية البليدة، من مسابقات وجلسات ذكر ومحاضرات دينية ودروس وعِبر، تُساهم في التذكير بأهمية الاهتمام بالجانب الروحي وعدم الانسياق وراء الماديات، مؤكداً في ختام حديثه، أن شهر رمضان ما هو إلا أيام معدودات سرعان ما تنقضي، داعياً إلى حسن استغلالها حتى نكون من العتقاء من النار.