مصدر رزق كثير من العائلات الريفية
تجفيف التين.. تقليد راسخ في تيبازة
- 223
كمال لحياني
في سفوح جبال بني مناصر وبني ميلك في ولاية تيبازة، وأعالي القرى الجبلية بأغبال وسيدي سميان وقوراية، ومع نهاية فصل الصيف، تنتشر رائحة التين الناضج في الحقول، تجمعه العائلات في ساعات الصباح الباكر، في صناديق خشبية وبلاستيكية، ويتم فرزه في الفترة المسائية في فناء البيت، لانتقاء الحبات الذهبية التي توجه للتجفيف، فيعرض لأشعة الشمس فوق أسطح البيوت، أو في ساحات واسعة مفروشة بالقش أو الحصير، كما تسمى في بعض المناطق.
ككل المنتوجات الفلاحية الجبلية، التي ارتبطت بالإنسان وبطبيعته المعيشية الريفية، يبدأ الفلاحون موسما جديدا، فيه الكثير من التحدي واللمة العائلية و«التويزة" والغاية واحدة، يتعلق الأمر بانتقاء حبات التين التي يتم جنيها من الحقوق، لتحضيرها كتين مجفف، في عملية ارتبطت بالجزائريين منذ عقود من الزمن، فلطالما اعتبر التين مصدر رزق الكثير من العائلات القاطنة في الأرياف، خاصة في ظل ارتفاع أسعاره في بورصة المنتجات التقليدية الصحية.
من الحقل إلى السطحية
في معظم المناطق المعروفة بهذا النشاط، يبدأ موسم جني التين في شهري أوت وسبتمبر، حسب نوع التين الموجه للتجفيف، حيث تهم العائلات إلى حقول التين لجني المحصول، الذي انتظرته لموسم كامل، يقول حكيم مواسي، القاطن بمنطقة ايعزابن بمناصر، التابعة لولاية تيبازة، لـ"المساء"، إن التين يتم نقله إلى فناء المنزل، أين يتجمع أفراد العائلة لاختيار الحبات المناسبة، وبعد تجميعها، تنتقل العملية إلى مرحلة التجفيف التقليدي، حيث يتم تفريش التين فوق السطح على حصائر من القصب أو القماش لعدة أيام، تحت أشعة الشمس، مضيفا في ذات السياق، أن عملية التجفيف تبدو في الوهلة الأولى، سهلة وبسيطة، لكنها تتطلب مهارة خاصة في اختيار التين المناسب، وتنظيفه ومراقبة درجة التجفيف، لتجنب تعفنه. من جهته، قال حدوش محمد، القاطن بأعالي منطقة قوراية: "تعلمنا هذا العمل من آبائنا وأجدادنا، وحافظنا عليه كتراث... ولا نحتاج سوى للشمس والنية، والباقي تفعله الطبيعة"، كاشفا في ذات السياق، أن المنطقة تنتج عدة أنواع من التين، على غرار التين الأبيض، والتين الأسود (الغربي)، وتين الدار، مشيرا إلى أن أهالي المنطقة يعتمدون على اختيار التين الناضج تماما، يكون غير مهترئ، إذ يتم اختيار الثمار السليمة الخالية من الحشرات.
وأضاف حدوش، أن الثمار يتم غسلها برفق لإزالة الغبار والسلق الخفيف، كما يتم غطس التين لبضع ثوان في ماء ساخن، يضاف إليه القليل من الزيت أو الملح، لقتل البكتيريا وتسريع التجفيف، ليتم بعدها وضع الثمار على حصائر، وهي زرابي من الديس والقصب الرقيق، أو على أسرّة خشبية في مكان مشمس وجاف، كما تغطى بشباك دقيقة أو قماش شفاف، لحمايتها من الحشرات، وتقلب الثمار يوميا لضمان جفاف متجانس. تختلف مدة التجفيف من منطقة لأخرى، حسب درجة الحرارة وسطوع الشمس والتقلبات المناخية، لكن في غالب الأحيان، تتراوح المدة بين 15 و20 يوما.
وباعتبار هذا النشاط أصبح موردا ماليا هاما للكثير من العائلات والفلاحين، فقد خرج من دائرة التقليد واكتسحت التكنولوجيا هذا المجال، حيث قال محمد عواد لـ"المساء"، وهو مستثمر في هذا المجال، وناشط في ميدان الفلاحة ببلدية مراد، إن "التين مثله مثل الطماطم والمشمش والبرقوق، فقد عرفت عملية تجفيفه استعمال طرق اصطناعية، أو ما أصبح يمسى بالتجفيف الصناعي، أين يتم استعمال الأفران أو المجففات الكهربائية، إذ لجأت إليه بعض المؤسسات الصغيرة الناشئة في مشاريعها الصغيرة."
وأوضح المتحدث، أن الأفران تضبط على حرارة 50 ـ 60 درجة مئوية لمدة 10 إلى 20 ساعة، وتكون النتيجة نظافة أعلى وتحكم في الجودة وسرعة أكبر، لكنها تحتاج لاستثمارات أكبر. تأتي عملية ما بعد التجفيف، فتترك الثمار لتبرد وتخزن في أكياس قماشية أو صناديق خشبية، كما يمكن حفظها أيضا في جرات زجاجية، مع القليل من الزيت أو أوراق الغار، لحمايتها من الحشرات.
قيمة غذائية واقتصادية بآفاق تصديرية
على غرار العديد من المنتوجات الفلاحية التقليدية، يبقى التين أحد الفواكه المطلوبة للوجبات الصحية الكاملة، نظرا لغناه بالفيتامينات والمواد الطبيعية والألياف، الكالسيوم، الحديد، ومضادات الأكسدة، التي تساعد الجسم على النمو السليم، في ظل الانتشار الكبير للأمراض الناجمة عن الاستهلاك المفرط للوجبات السريعة والمصبرة، التي تحتوي على مضافات كيمياوية. ومع ارتفاع الطلب العالمي على الأغذية الطبيعية والصحية، أصبح التين الجزائري بفضل نكهته المميزة، وجودته العالية، منافسا لمنتجات بلدان رائدة، مثل تركيا والمغرب، ما يجعله منتوجا مطلوبا في الأسواق المحلية والدولية.
من جهة أخرى، ومع تحول هذه المهنة إلى نشاط اقتصادي موسمي مهم، إذ يباع الكيلوغرام الواحد من التين المجفف بأسعار تتراوح بين 600 و1200 دينار للكيلوغرام الواحد، حسب الجودة والمنطقة، يرى الخبير الفلاحي محمد طاهر سالم، أن الجزائر تمتلك إمكانات كبيرة لتطوير صناعة التين المجفف، خاصة مع توفر المناخ الملائم، ووفرة الإنتاج، خاصة في خضم البرامج التي اتبعتها الدولة، لتشجيع سكان المناطق الجبلية على العودة إلى خدمة الأرض، والقرارات التي اتخذها الرئيس تبون في ما يتعلق باستغلال الأراضي الغابية في الفلاحة الجبلية، كما يؤكد المتحدث أن الاستثمار في التجفيف الصناعي والتسويق الحديث، يمكن أن يحول هذا المنتوج إلى سلعة تصديرية مربحة، تضاهي نظيراتها من تركيا أو تونس.