تحضيرا لعولة الشتاء وشهر رمضان
تجفيف البرقوق والتين حرفة تنعش البيوت العنابية
- 144
سميرة عوام
تعود الحركية و النشاط إلى داخل البيوت العنابية، خلال هذه الفترة الفاصلة بين نهاية الصيف وبداية الخريف، حيث يتجند كل أفراد الأسرة، في رسم صور من التضامن والترابط الاجتماعي، استعدادا لفصل الشتاء، واستقبال رمضان . وتحرص ربات البيوت، بمشاركة الأمهات والجدات، على التجمع في أفنية المنازل، وعلى الأسطح، لإحياء عادات تقليدية ضاربة في عمق المجتمع العنابي، في إعداد عولة السنة، حفظا على تقاليد المنطقة.
تعتمد العائلات في عنابة، خلال هذه الأسابيع، على تجفيف الفواكه الموسمية، التي توفر عليهم المصاريف وغلاء المعيشة، وهو ما يلم ويجمع شمل العائلة، إلى جانب توفير مؤونة منزلية ذات جودة عالية، تجمع بين النشاط الاقتصادي والحفاظ على النكهة التقليدية الأصيلة.
يأتي البرقوق الطازج، في مقدمة الفواكه التي تحظى باهتمام كبير داخل البيوت العنابية، في هذا الوقت، حيث تخوض النساء تجربة “التجفيف المنزلي” بشغف، تحضيرا لشهر رمضان الكريم. فالبرقوق المجفف منزليا، يعد العنصر الأساسي لإعداد طبق “طاجين الحلو” العنابي الأصيل، الذي يتربع على عرش مائدة الإفطار الرمضانية، ولا تكتمل الجلسات العائلية بدونه.
تبدأ عملية التحضير داخل البيت، باختيار الثمار الناضجة والصلبة في عناية، ثم غسلها وتجفيفها جيدا، قبل توزيعها على صينية نحاسية أو أغطية مصنوعة من القماش الأبيض، في مكان مشمس. وتتشارك النساء في تقليب حبات البرقوق يوميا، ومتابعتها بحرص، لحمايتها من رطوبة المساء، وضمان حفظ طعمها الطبيعي ولونها الداكن القاني، دون الحاجة إلى تقنيات تصنيع أو مواد حافظة كيميائية.
وفي المقابل، يشكل تحضير ثمار التين الطازجة عادة مميزة، تدخل ضمن اقتصاد المنزل، حتى التين لا يقل أهمية عن البرقوق، أو كما يسمى في اللهجة العنابية، بـ"عين بقرة”، حيث تتشارك العائلات في تحويله إلى ما يعرف بـ"الشريحة”. وتعد “الشريحة” العنابية مؤونة شتوية تقليدية، ومصدرا غنيا بالطاقة، لمواجهة ليالي البرد القارس، وتقدم للضيوف وأفراد الأسرة كعلاج طبيعي وغذاء مقو. وتمر طريقة تحضير التين المجفف بمراحل منزلية دقيقة، تبدأ بغسله وتجفيفه، ثم وضعه في بخار ماء معطر بأعشاب محلية، لتعقيمه وتليينه، قبل تجفيفه، ويتم بعد ذلك، تصفيفه تحت أشعة الشمس، حتى يفقد رطوبته تماما. وتحفظ هذه “الشريحة” في أوان زجاجية أو فخارية مغلقة، مع إضافة قطرات من زيت الزيتون الصافي، أو رشات من الثوم والسمسم، لرفع قيمتها الغذائية، ضد أمراض الشتاء، خاصة منها الأنفلونزا والحساسية.
يرتبط هذا النشاط المنزلي، بحركية واسعة في الأسواق الشعبية بمدينة عنابة، مثل سوق حطاب، والأسواق الشعبية والأسبوعية، حيث يخرج المواطنون لاقتناء هذه الفواكه الموسمية. ورغم الارتفاع النسبي في الأسعار خلال هذه الفترة الانتقالية، إذ يصل سعر الكيلوغرام الواحد من البرقوق الطازج إلى حدود 400 دينار جزائري، بينما يرتفع سعر التين الطازج، ليعادل 700 دينار للكيلوغرام، إلا أن العائلات لا تتأخر عن اقتناء كميات وفيرة منها. وتعتبر الأسرة العنابية هذا الاستثمار في الشراء، ضرورة مجتمعية وأسرية، تضمن بها عولة شتاء دافئة ومستقرة، تقيها تقلبات الأسعار لاحقا.
ولا تتوقف عملية التجفيف المنزلي عند حدود حفظ الأطعمة، بل تتجاوز ذلك الشكل، فرصة في لقاء ولمّة العائلة، حتى الجيران والأقارب، وهو ما يوثق روابط التكافل وتبادل الخبرات بين الجارات والقريبات. إذ تتخلل هذه الأوقات، جلسات الأحاديث وتبادل النصائح، حول أسرار نجاح عملية التجفيف وقوام “الشريحة” المثالي، مما يرسخ هذه المهارات لدى الأجيال القادمة، ويضمن استمراريتها.
ورغم توفر المنتجات المجففة المصنعة لرفوف المساحات التجارية الكبرى، تظل العائلات في عنابة، متمسكة بهذه العادات، مفضلة ما تنتجه أيادي الأمهات داخل البيوت. فالبرقوق المجفف منزليا يمنح “طاجين الحلو” نكهة قوية، وقواما متماسكا لا تضاهيه السلع الجاهزة، كما أن “الشريحة” المصنوعة في البيت، توفر أمانا صحيا وجودة تجعلها الغذاء المفضل للعائلات، وملاذا صحيا للوقاية من أمراض البرد والزكام.
وفي سياق متصل، فإن تحضيرات تجفيف البرقوق والتين بأساليب تقليدية في عنابة، يزيد من عمق الترابط الاجتماعي واعتزاز السكان بموروثهم اللامادي. إنها تقاليد تتجاوز المطبخ، لتصنع دفئا عائليا خاصا في البيوت العنابية، وتؤكد قدرة المجتمع المحلي على حفظ تقاليده وتناقلها بكل فخر بين الأجيال.