انتعاش سوق الخردة بعنابة

بين معادلة الانتقال إلى سكن جديد وحلم تجهيز العرسان

بين معادلة الانتقال إلى سكن جديد وحلم تجهيز العرسان
  • 302
سميرة عوام سميرة عوام

​تشهد مدينة عنابة في الآونة الأخيرة، حركة اجتماعية واقتصادية لافتة، تعكس التحولات المعيشية الكبرى التي يمر بها المجتمع، ولعل أبرز هذه التحولات، ذلك الانتعاش الواسع وغير المسبوق الذي يعرفه سوق الخردة والأثاث المستعمل، لاسيما في الأجزاء الحيوية بوسط المدينة، وعلى رأسها الفضاء الشهير المعروف بـ"سوق الليل". 

هذا السوق الذي لطالما احتضن مختلف السلع البسيطة، تحول اليوم، إلى قبلة حقيقية ومقصدا رئيسيا لمئات العائلات، الباحثة عن حلول عملية ومدروسة، لمواجهة تكاليف الحياة الباهظة، خاصة في ظل موجة الاستفادات الواسعة من الصيغ السكنية الجديدة، والتي تفرض على المستفيدين واقعا جديدا، يستوجب اقتناء تجهيزات وأثاث، يواكبون به بيوتهم ومساكنهم العصرية الجديدة، وسط ظروف مادية تجعلهم مضطرين لتغيير كل شيء، وهو ضرورة ملحة لا مفر منها.

​لقد أفرزت عمليات ترحيل العائلات، واستفادتهم من السكنات الجديدة في مختلف الأقطاب الحضرية بعنابة، ديناميكية استثنائية داخل البيوت؛ فالحصول على مسكن جديد، يعني بالضرورة الرغبة في التجديد وقطع الصلة مع الديكورات القديمة، التي قد لا تتناسب مع المساحات الجديدة أو الطابع المعماري العصري للشقق. هذا التحول دفع الكثير من أرباب العائلات إلى اتخاذ خطوة أخرى، تتمثل في بيع كل ما يوجد في المنزل من أثاث قديم، خزانات خشبية ضخمة، أسرة مهترئة، ثلاجات مستعملة، وحتى غرف نوم كاملة.

​هذه العملية التبادلية، لم تكن مجرد تخلص من الأشياء الزائدة، بل تحولت إلى تجارة موازية تدر أرباحا كثيرة؛ فبدل أن تذهب تلك القطع إلى حاويات القمامة وترمى في مراكز الردم التقني، وجد الكثيرون فيها فرصة لاسترجاع جزء من ماله، لمواجهة أعباء التجهيز الجديد، بينما سارعت شبكة واسعة من التجار والوسطاء إلى جمع هذه الأغراض ونقلها نحو أسواق الخردة بوسط عنابة، لتبدأ رحلة بعث روح جديدة فيها، من خلال إعادة الإصلاح، والطلاء، والصيانة الدقيقة، لتصبح صالحة للاستعمال مجددا وبحلة مقبولة جدا، تجذب الراغبين في شرائها وتلبي احتياجاتهم بكل كفاءة واقتدار.

​بائع الخردة المتجول الشريان الخفي للتجارة

​ولكي تكتمل عملية ترويج مثل هذه التجارة الموازية والفريدة من نوعها، لا بد من الوقوف طويلا عند تلك الشخصية المحورية الفريدة، التي تجول وتصول في أزقة وشوارع أحياء عنابة، طوال النهار والليل؛ إنه بائع الخردة المتجول، الذي يجوب الأحياء الشعبية والراقية على حد سواء، على متن عربته البسيطة المدفوعة يدويا، أو شاحنته الصغيرة المتواضعة.

هذا الشخص المعروف بـ"مارشون"، تجده ينادي بصوت مبحوح، حتى يسمعه المارة وسكان الأحياء، والشوارع التي يمر عليها، من أجل اقتناء كل ما يتماشى وطلبات السوق، فهو يتحول بقدرة قادر، إلى شريان حيوي ومحرك خفي لا غنى عنه لسوق الخردة، حيث يحمل على عاتقه أمل التخلص من الأثاث المهمل لدى العائلات، ليطرق الأبواب بحذر وينادي بصوته المألوف، الذي اعتاد عليه الجيران، باحثا عن كل شيء قديم صالح للاستعمال، بداية من الأواني النحاسية العتيقة والأسرة الحديدية الثقيلة، مرورا بالثلاجات والغسالات المعطلة، وصولا إلى مختلف الأجهزة الكهرومنزلية، التي تجمدت حركتها وأصبحت عبئا على أصحابها داخل المنازل الضيقة.

​إن هذا البائع المتجول ليس مجرد جامع للسلع البسيطة أو عابر سبيل، بل هو خبير ميداني بارع يمتلك عينا فاحصة وخبرة طويلة تراكمت عبر السنين، تمنحه القدرة العجيبة على تقييم البضاعة بدقة بالغة، وتخمين قيمتها الحقيقية بنظرة واحدة متفحصة. فهو يعرف جيدا أي نوع من الخشب قابل للترميم، وأي جهاز كهرومنزلي، يحتاج فقط لقطع غيار بسيطة، كي يعود إلى الحياة.

بفضل جولاته المكثفة واليومية في مختلف شوارع المدينة، ينجح في إعادة تدوير كل ما هو مستعمل كان عرضة للرمي، محولا إياها إلى مواد أولية ثمينة أو سلع قابلة للتجديد، موفرا على العائلات عناء النقل والبحث والجهد الشاق في التخلص من الأثاث الثقيل، مشكلا حلقة وصل أساسية ومباشرة، تمد سوق الليل وسائر أسواق الخردة بالسلع المتنوعة والمستعملة، التي تصنع رواجها اليومي وتنعش تجارتها المستمرة دون انقطاع، ليكون بذلك النواة الحقيقية التي تحرك هذه الدورة الاقتصادية الشعبية بكل اقتدار ومهارة.

​"سوق الليل"... ملاذ ذوي الدخل المحدود وعرسان الغد

​عندما تصل هذه البضائع إلى وجهتها النهائية، بفضل جهود الباعة المتجولين، يبرز “سوق الليل” بوسط مدينة عنابة، ليكون الفضاء الشعبي النابض بالحياة، والذي لا ينام تقريبا، متحولا إلى بديل استراتيجي حقيقي لا غنى عنه للعائلات ذات الدخل المحدود، والطبقات المتوسطة التي عجزت أجورها أو دخلها الشهري عن مواجهة الأسعار الملتهبة للأثاث الجديد في المحلات الكبرى. هذا السوق يعرض كل شيء تقريبا، من أجهزة كهرومنزلية مستعملة، كالمبردات والثلاجات والغسالات، مرورا بالأواني المنزلية المتنوعة، وصولا إلى مختلف الأكسسوارات الدقيقة والديكورات التي تضفي لمسة جمالية على المنازل العصرية.

اللافت للنظر حقا، والذي يكسر الكثير من الصور النمطية السائدة، أن هذا السوق لم يعد مخصصا فقط للباحثين عن قطع ترميم بسيطة، بل أصبح الوجهة المفضلة لعدد معتبر من الشباب المقبلين على الزواج والعرسان الجدد. ففي ظل الارتفاع الجنوني لأسعار غرف النوم والتجهيزات العصرية، التي تثقل كاهل الشاب البسيط، يفضل الكثير من العرسان اصطحاب خطيباتهم إلى سوق الليل بعنابة، لاختيار غرف نوم كاملة أو أجزاء أساسية منها بحالة ممتازة، فضلا عن المستلزمات الأخرى، وسط مبالغ مالية معقولة ومدروسة للغاية، لا تفوق في الغالب أربعة ملايين سنتيم، وذلك بطبيعة الحال، حسب صلاحية القطعة ونوعيتها ومتانتها والزخرفة المعروضة بها، مما يمثل حلا مؤقتا لمواجهة مشكل تدني القدرة الشرائية.

​التكافل الاجتماعي وحكمة التدبير في مواجهة الغلاء

​هذه الظاهرة الاجتماعية والاقتصادية المتكاملة، تعكس بوضوح، مدى تمتع المجتمع العنابي بالذكاء الميداني وحكمة التدبير في تسيير الأزمات والمعيش اليومي؛ فبدل الوقوع في فخ الديون الاستهلاكية الباهظة، أو تأجيل مشاريع الزواج بسبب عائق التجهيز، اختار الشباب والعائلات تبني ثقافة التكافل والحلول البديلة التي يوفرها سوق الخردة وجولات الباعة المتجولين. إن امتلاك غرفة نوم متينة ومصلحة بعناية فائقة، مقابل مبلغ زهيد، مقارنة بالجديد، يمثل الحل الأنسب والعقلاني، مع حسن تدبير العائلة في بدايتها الأولى، وهو ما يجنب العرسان شبح القروض والالتزامات المالية الثقيلة التي قد تعكر صفو حياتهم الزوجية الجديدة.

​كما أن هذه المنظومة تلعب دورا بيئيا واجتماعيا غير مباشر، يتمثل في تكريس ثقافة إعادة التدوير والاستهلاك المستدام، حيث تعاد إحياء قطع الأثاث القديمة وتطويرها، بلمسات حرفية محلية، تعيد لها قيمتها الجمالية والعملية، مما يقلل من رمي المواد الصالحة للاستعمال، ويخلق فرص شغل موسمية ودائمة للعديد من الحرفيين والشباب الناشطين في مجالات النجارة والطلاء والصيانة، فضلا عن الباعة المتجولين الذين يعيلون عائلاتهم بكل شرف وأمانة في هذه الشوارع.

​آفاق الظاهرة وتحديات التنظيم والتطوير

رغم الإيجابيات الكبيرة التي يقدمها سوق الخردة والأثاث المستعمل في عنابة، ووجود تلك الحركة الدؤوبة للباعة المتجولين، الذين يربطون بين البيوت والأسواق، إلا أن هذه النشاطات تظل بحاجة ماسة إلى مزيد من التنظيم والدعم. فتنظيم هذه الفضاءات الشعبية وحمايتها من العشوائية، وتوفير ظروف عرض ملائمة، وتأطير عمل الباعة المتجولين، من شأنه أن يرفع من قيمة هذه الأسواق ويجعلها قطبا تجاريا منظما، يحفظ كرامة البائع والمشتري على حد سواء، ويساهم في استغلال هذه التجارة الحرة بأفضل شكل ممكن.