سهر الأطفال في ليالي الصيف

بين متعة الاستجمام ومعاناة الأمهات

بين متعة الاستجمام ومعاناة الأمهات
  • 188
سميرة عوام سميرة عوام

تتحول الحدائق العمومية والمتنزهات الساحلية لمدينة عنابة وما جاورها مع حلول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة نهارا، إلى فضاءات حية تستقطب العائلات المصحوبة بأطفالها حتى ساعات متأخرة من الليل، في ظاهرة اجتماعية باتت تتكرر سنويا مع بداية العطلة المدرسية. وتستبدل العائلات روتين الحياة اليومية الصارم بنمط صيفي مرن، يُسمح فيه للأطفال بالبقاء مستيقظين، وتناول الوجبات الساحلية والمثلجات الباردة، وممارسة اللعب الجماعي تحت أضواء الحدائق الشاطئية والمساحات الخضراء حتى  الساعات الأخيرة من الليل.

ورغم ما تحمله هذه التجمعات الليلية من أبعاد اجتماعية إيجابية تتمثل في تعزيز الروابط الأسرية وإتاحة الفرصة للترويح عن النفس بعد موسم دراسي شاق، إلا أن الإفراط في تغيير الساعة البيولوجية للأطفال بات يطرح تساؤلات ملحة من المختصين في التربية والصحة، حول تداعيات هذا النمط المستحدَث على النمو السلوكي والبدني للناشئة. وتسهم العوامل المناخية والتنظيمية بشكل مباشر، في تشكيل هذه الظاهرة؛ حيث يدفع الحر الشديد خلال فترات الظهيرة، العائلات إلى قضاء معظم أوقات النهار داخل المنازل، لتصبح الفترة الممتدة من الغروب إلى الفجر، النافذة الوحيدة للتنفس والاستجمام. 

وتجد العائلات العنابية في الحدائق العمومية بيئة مجانية ومفتوحة، تتيح للأطفال تفريغ طاقاتهم الحركية عبر الألعاب، والتفاعل المباشر مع أقرانهم بعيدا عن الشاشات الإلكترونية التي استنزفت أوقاتهم خلال العام الدراسي. غير أن امتداد هذه النزهات إلى أوقات متأخرة جدا يربك الإيقاع اليومي للطفل، إذ ينقلب نظام النوم رأسا على عقب، فينام الطفل مع الصباح، ويستيقظ في منتصف النهار؛ ما يحرمه من الاستفادة من الإضاءة الطبيعية، والأنشطة النهارية المتوازنة. ومع اقتراب موعد الدخول المدرسي الذي لم تعد تفصلنا عنه سوى أسابيع قليلة، تبدأ رحلة جديدة من المعاناة داخل كل العائلات بولاية عنابة؛ حيث تجد الأمهات وربات البيوت أنفسهن أمام تحد كبير ومهمة شاقة، تتمثل في محاولة تغيير نمط وعادات الصغار السلوكية.

وتسعى الأسر جاهدة إلى مرافقة الأطفال، وتشجيعهم على النوم مبكرا لاستعادة الانضباط، والتهيؤ النفسي والبدني للعودة إلى مقاعد الدراسة. غير أن الأجواء الصيفية الصاخبة والسهرات العائلية الممتدة والحفلات المقامة في كل أرجاء المدينة، فضلا عن الحدائق العمومية والممتدة التي تظل أبوابها مفتوحة وأضواؤها مشتعلة أمام العائلات حتى طلوع الفجر، لا تترك للأطفال خيارا سهلا للذهاب إلى النوم أو الاستسلام للراحة؛ ما يجعل محاولات الأمهات تصطدم بوقائع الشارع، والمحيط الاجتماعي، وكذلك لمّات الأهل والأقارب.

ويؤدي هذا الاضطراب المتواصل في ساعات النوم، حسب مختصين في الصحة المدرسية بعنابة، إلى انعكاسات صحية وسلوكية أعمق، تتجاوز مجرد السهر الليلي، إذ يمنع الجسم من الاستفادة الكاملة من إفراز هرمون النمو الذي ينشط أساسا خلال مرحلة النوم العميق في ساعات الليل الأولى. كما يتسبب النقص المتراكم في الراحة المنتظمة، في تقلبات مزاجية حادة لدى الأطفال، تتجلى في زيادة حدة العصبية، وسرعة الغضب، وضبابية التركيز خلال النهار. ويرافق ذلك في كثير من الأحيان، تحول في السلوك الغذائي، حيث يميل الأطفال في السهرات الليلية، إلى استهلاك كميات كبيرة من الوجبات السريعة، والمشروبات الغازية، والمثلجات السكرية في أوقات متأخرة، وهو ما يُحدث اضطرابات  في الجهاز الهضمي، ويزيد من احتمالية الإصابة بالسمنة المبكرة، وضعف الخمول البدني. ولتقليل الاعتماد المفرط على السهرات الليلية المنهكة، يبرز المختصون أهمية تفعيل دور الفضاءات الثقافية والرياضية الجوارية، كبدائل مسائية مبكرة تشغل وقت الطفل، وتوجه طاقته بشكل إيجابي. 

إن تنشيط دُور الشباب والمكتبات العمومية والملاعب الجوارية لتنظيم دورات رياضية وورشات فنية تبدأ في الفترة الممتدة من العصر إلى غروب الشمس، يمنح العائلات خيارات ترفيهية متكاملة، تساعد على إشباع شغف الطفل باللعب، والتواصل في ساعات النهار الأخيرة. هذا النوع من الأنشطة المنظمة يضمن تفريغ الطاقة البدنية للطفل بشكل صحي، ويجعله يشعر بالارتخاء والرغبة الطبيعية في الراحة مع حلول الليل؛ ما يسهل عملية ضبط الساعة البيولوجية تدريجياً.

وحسب بعض الأمهات اللواتي يشتغلن في قطاع التعليم بولاية عنابة واللاتي التقت بهن " المساء " في إحدى الحدائق العمومية، فإن الترويح عن النفس والتفاعل الاجتماعي المفتوح في العطلة الصيفية، يشكلان ضرورة نفسية لتطور الطفل العاطفي والوجداني؛ إذ يمنحانه مساحة للتفريغ، واكتساب الخبرات الحركية. غير أن تحقيق هذا التوازن يتطلب حزما أسريا، وتنسيقا واعيا يضمن ألا تتحول المتعة إلى مصدر إجهاد دائم للبدن والعقل. ويتوجب على الأولياء رسم حدود فاصلة تعيد للطفل نظامه الصحي دون حرمانه من البهجة؛ من خلال تقليص ساعات التواجد ليلا في الفضاءات العامة، واستبدال السهرات الممتدة بأنشطة مسائية مبكرة، تبدأ عقب صلاة العصر أو مع غروب الشمس مباشرة.

وتتطلب إدارة هذه الظاهرة تغييرا في الثقافة الأسرية والاجتماعية نحو خلق حوار تربوي هادئ داخل المنزل، يوضح للطفل أهمية النوم الباكر لاستقبال العام الدراسي بأريحية ونشاط. ويباشر الأولياء دورا محوريا حين يرسّخون في أبنائهم ثقافة الاستمتاع بأجواء الصيف دون الإضرار بالإيقاع البيولوجي الطبيعي للجسد، لتظل السهرات الأسرية ذكريات جميلة، تعزز التماسك الاجتماعي، والسعادة والأمن لسلامة الأطفال البدنية والنفسية.