التربية البدنية في مدارس البليدة
بين شغف تلاميذ الابتدائي والمتوسط وفتور طلبة الثانوي
- 338
رشيدة بلال
تشكل حصص التربية البدنية والرياضية على مستوى المؤسسات التربوية، واحدة من أكثر الحصص التي ينتظرها التلاميذ بشغف، لما توفره لهم من فرصة لتفريغ الطاقة، والاستمتاع بالحركة، والتعبير عن قدراتهم البدنية، ومواهبهم في مختلف الأنشطة الرياضية. كما تعد المؤسسات التعليمية خزانا حقيقيا لاكتشاف المواهب الرياضية وصقلها، بما يسمح ببروز أبطال قادرين على تمثيل الرياضة الجزائرية في مختلف المحافل، غير أن هذه الأهمية، لا تنعكس دائما على واقع الممارسة داخل المؤسسات التربوية، خاصة على مستوى بعض الثانويات، حيث يشهد الاهتمام بحصص التربية البدنية تراجعا، في ظل ممارسات بعض المشرفين عليها، والتي تفقدها دورها التربوي والرياضي، وتطرح تساؤلات حول أسباب التخلي عن النشاط الرياضي، وترك التلاميذ جالسين دون ممارسة أي نشاط، خلال الحصة المخصصة له.
من خلال استطلاع للرأي، شمل بعض المؤسسات التربوية بمختلف أطوارها التعليمية على مستوى ولاية البليدة، وقفت “المساء”، على تباين واضح في نظرة التلاميذ إلى مادة التربية البدنية والرياضية، بين شغف كبير لممارستها في الطورين الابتدائي والمتوسط، وفتور ملحوظ لدى بعض تلاميذ الثانويات، الذين لم تعد هذه الحصة بالنسبة إليهم، تحظى بالأهمية نفسها، بفعل جملة من العوامل المرتبطة بطبيعة الأنشطة المقدمة، وطريقة تسيير الحصة من قبل بعض الأساتذة.
ففي الطور الابتدائي، تحظى حصة التربية البدنية بمكانة خاصة لدى التلاميذ، الذين ينظرون إليها، باعتبارها فرصة للخروج من أجواء الدراسة داخل القسم، والاستمتاع باللعب والحركة، إلى جانب التعبير عن قدراتهم البدنية واكتشاف ميولاتهم الرياضية. وهو ما لمسناه من خلال حديث أحد تلاميذ السنة الخامسة ابتدائي، بمدرسة “الشهيدة مهالي شريفة”، والذي أكد أن حصة الرياضة تعد من أفضل الحصص التعليمية بالنسبة إليه، لما يشعر به خلالها من سعادة، خاصة عندما يتعلق الأمر بممارسة الأنشطة التنافسية، التي تتيح له إبراز قدراته.
وأضاف التلميذ، أنه يميل إلى الرياضة ويحب ممارسة مختلف الأنشطة التي تسمح له بالتعبير عن مواهبه، وهو الانطباع الذي لمسناه أيضا لدى عدد من تلاميذ الطور المتوسط، على غرار تلاميذ متوسطة "شابو"، الذين عبروا بدورهم عن رغبتهم الكبيرة في المشاركة في الأنشطة الرياضية، معتبرين حصة التربية البدنية، من بين الحصص التي يحرصون على حضورها والاستفادة منها. يعكس هذا الشغف، أهمية النشاط الرياضي في الحياة المدرسية، ليس باعتباره مجرد حصة ترفيهية، وإنما فضاء تربويا، يساهم في تنمية القدرات البدنية للتلاميذ، وتعزيز روح المنافسة والعمل الجماعي لديهم، فضلا عن مساعدتهم على اكتشاف مواهبهم، وتطويرها في سن مبكرة.
حصص تتحول إلى جلسات لتبادل أطراف الحديث
على النقيض من ذلك، يبدو واقع التربية البدنية في بعض الثانويات مختلفا، بالنظر إلى تراجع اهتمام بعض التلاميذ بهذه الحصص، التي لم تعد تستهويهم بالقدر نفسه، فقد عبر عدد من التلاميذ عن تفضيلهم مغادرة الحصة، أو عدم المشاركة في أنشطتها، خاصة أن بعضهم يرى أن البرامج المقدمة تقتصر في الغالب على الجري، دون تنويع التمارين والأنشطة، بما يتناسب مع ميولاتهم الرياضية وقدراتهم البدنية.
ومازاد من فتور الاهتمام، حسب تصريحات بعض التلاميذ، لجوء بعض أساتذة التربية البدنية في الثانويات، إلى تحويل الحصة إلى مجرد فترة للجلوس وتبادل أطراف الحديث، دون ممارسة أي نشاط رياضي فعلي، وهو ما جعل بعض التلاميذ يفقدون الرغبة في المشاركة، بل ويترقبون الفرصة للاعتذار عن الحصة وعدم الالتحاق بها، خاصة عندما لا يتم تسجيل الغيابات.
في هذا السياق، أشار بعض التلاميذ، إلى شعورهم بوجود تفاوت في الاهتمام بين الذكور والإناث، خلال ممارسة الأنشطة الرياضية، حيث يرى بعضهم أن الأساتذة يمنحون الذكور مساحة أكبر للمشاركة، في حين لا تحظى الإناث بالاهتمام نفسه، وهو ما ينعكس سلبا على رغبتهن في ممارسة الرياضة، والمشاركة في مختلف الأنشطة المقترحة.
كما تحدثت تلميذات، عن ممارسات أخرى تزيد من نفورهن من هذه الحصة، تتمثل في مطالبة الأستاذ بالجلوس في هدوء، ثم مغادرة المكان وعدم العودة إلا مع نهاية الوقت المخصص للتربية البدنية، الأمر الذي يجعلهن يشعرن بأن الحصة فقدت الغرض الذي وجدت من أجله، ويدفع بعضهن إلى تفضيل العودة إلى المنزل، خاصة في الحالات التي لا يتم خلالها تسجيل الغيابات.
تطرح هذه الشهادات، تساؤلات حول مدى الالتزام بتقديم البرامج الرياضية المقررة، ومدى مراعاة خصوصية كل طور تعليمي وميولات التلاميذ، لاسيما أن اقتصار الأنشطة على الجري والتمارين الروتينية، لا يسمح لجميع التلاميذ بإبراز قدراتهم، خصوصا أولئك الذين يميلون إلى رياضات جماعية، على غرار كرة القدم، ويبحثون عن فرص لممارستها داخل المؤسسة التربوية.
مديرية التربية تؤكد حرصها على مرافقة الرياضة المدرسية
ردا على الانشغال الذي طرحه بعض الأولياء والتلاميذ، بشأن تراجع أهمية حصص التربية البدنية والرياضية في بعض المؤسسات التعليمية، أوضح رئيس مصلحة بمديرية التربية لولاية البليدة، رابح جمعي، أن التربية البدنية والرياضية في المؤسسات التعليمية، تندرج ضمن الاهتمام الذي توليه الدولة لممارسة الأنشطة الرياضية في مختلف الأطوار التعليمية، بالنظر إلى دورها في اكتشاف المواهب ومرافقتها، باعتبار المؤسسات التربوية خزانا أساسيا للرياضيين، الذين يمكن أن يشكلوا مستقبلا للنخبة الرياضية الوطنية. أشار المتحدث، إلى أن الاهتمام بالرياضة المدرسية تعزز، من خلال التوجه نحو تكوين مختصين في التربية البدنية والرياضية، بعد أن كانت هذه المهمة في السابق، على مستوى الطور الابتدائي، تسند في بعض الحالات إلى معلمي اللغة العربية، دون أن تحظى بالممارسة المنتظمة المطلوبة.
وأضاف أن فتح تخصصات جديدة في مجال الرياضة، على مستوى الجامعات، ساهم في توفير إطارات مؤهلة لتأطير حصص التربية البدنية بمختلف المؤسسات التعليمية، بما فيها المدارس الابتدائية، وضمان تقديم الأنشطة الرياضية وفق أسس تربوية وعلمية، تسمح للتلاميذ بالاستفادة منها على النحو المطلوب، لافتا في السياق، إلى أن ولاية البليدة تحصي 247 أستاذ في التربية البدنية، على مستوى الطور الثانوي، و471 أستاذ في الطور المتوسط، و649 أستاذ في الابتدائي. في السياق ذاته، أكد ممثل مديرية التربية بالبليدة، أن أبواب المديرية مفتوحة أمام الأولياء والتلاميذ، لطرح انشغالاتهم المتعلقة بتقصير بعض الأساتذة في أداء مهامهم، داعيا إلى التواصل مع مفتشي المادة، من أجل التكفل بهذه الحالات، والعمل على توعية المعنيين بأهمية الالتزام بالبرامج الرياضية المقررة، وتوفير الظروف الملائمة لممارسة الأنشطة في مختلف الأطوار التعليمية.
وشدد المتحدث، على ضرورة أن تؤدي حصة التربية البدنية دورها كاملا داخل المؤسسات التربوية، من خلال تمكين التلاميذ من ممارسة الأنشطة الرياضية بانتظام، والعمل على اكتشاف المواهب ومرافقتها، بما يضمن تحويل الرياضة المدرسية إلى فضاء حقيقي، لصقل القدرات البدنية وتنمية المواهب، بدلا من أن تتحول إلى مجرد حصة شكلية، لا تحقق الأهداف التربوية والرياضية المرجوة منها.