بين سحر المساجد والقصور في إسطنبول  والحمامات الحموية بأنقرة
أحلام محي الدين أحلام محي الدين

الحلقة1: السياحة في تركيا:

بين سحر المساجد والقصور في إسطنبول والحمامات الحموية بأنقرة

سافر، ففي الأَسفارِ خمس فوائد... تفريج همّ واكتسـاب معيشة... وعلم وآداب وصحبة ماجدِ... إنه قول للإمام الشافعي يحث فيه على الاستفادة من مزايا الأسفار التي يستطيع المرء من خلالها اكتشاف عوالم جديدة، شخصيا نفذت الوصية بعدما تلقيت دعوة من الخطوط الجوية التركية للتعريف بمعالم السياحة الحموية بتركيا. في هذا الربورتاج الذي ننشره في حلقات، ستسافرون أيها القراء الكرام مع “المساء”، ستحطون الرحال أولا باسطنبول مملكة السلاطين والعظماء، والعمال النشطاء البسطاء الأوفياء، ثم تواصلون إلى أنقرة العاصمة الاقتصادية، حيث توجد أجمل الحمامات التي تريح الجسد من عناء التوتر وضغط الحياة العصرية، وعلى رأسها فندق آسيا “بكزيليجي حمام” التي تستعد لاستقبال الجزائريين مع الاستفادة من التخفيضات.

بين النهار والليل...

عند وصولنا، وجدنا السيد عبد الله أميني ممثل الخطوط الجوية التركية في انتظارنا بالمطار، كان نعم المرافق خلال الرحلة التي جمعت بين التاريخ والعصرنة في صورة تعكس حرص هذا البلد على التقدم الاقتصادي والتمسك بأصالته، حيث لم يغب مصطلح “الحرملك”؛ الجناح المخصص لحرم السلطان وجواريه وخدمه، و”السرملك”؛ المكان المخصص لإدارة شؤون الدولة والخاص بالرجال فقط، من القاموس التركي إلى يومنا هذا، فهو إرث الأجداد الذي لازال يدوخ كل من يدخل هذا البلد الذي شاءت الإرادة الإلهية أن يكون الجزء الأكبر منه بآسيا والآخر بأوروبا، وأقصد هنا اسطنبول التي تقع غرب تركيا، مساحتها 2300 كلم2، عدد سكانها 15 مليون نسمة، بها قسم أوروبي وآخر آسيوي، فمطار “كمال أتاتورك” الذي نزلنا به يوجد في القسم الأوروبي، كما أن بها مطار دولي آخر وداخلي في القسم الآسيوي اسمه “صبيحة غوتشان” وهي أول امرأة طيارة في تركيا، تبلغ المساحة الإجمالية لجمهورية تركيا 585 ألف كلم2؛ 75 بالمائة منها آسيوية و3 بالمائة أوروبية، ويفصل بين القارتين مضيق البوسفور.

قبل الركوب في الطائرة، قمنا بجولة في السوق الحرة بمطار هواري بومدين، حيث يمكن أن تجد كل ما تشتهيه نفسك من عطور وتحف تقليدية جزائرية خالصة، على غرار الزربية التقليدية بمختلف الأشكال والأحجام، وكذا المشغولات النحاسية التي جادت بها أنامل الحرفيات والحرفيين الجزائيين، علاوة على “دقلة نور” الشهيرة عالميا التي تعتبر محبوبة المسافرين سواء الجزائريين أو السياح الأجانب، حيث يأخدونها كهدية قيمة لمن يقصدونهم في الدول التي يسافرون إليها، منظر المطار وكراسيه الراقية يعطيك شعورا بالراحة، إلى أن أعطيت إشارة الاستعداد للاتجاه نحو الطائرة، حان الوقت... كانت الساعة تشير إلى الخامسة مساء عندما ركبنا على متن التركية للطيران، كانت سماء الجزائر لا تزال مشرقة يومها، جلس كل واحد في مكانه حسب التذكرة التي يحملها معه، وآليا اشتعلت اللوحات الموجودة على ظهر المقعد الذي يسبقك، لتشاهد تعليمات الوقاية من قبل المضيفة... أغلقت الهواتف وربطت الأحزمة.. حان موعد الإقلاع... إلى الملتقى أمي، وطني، إلى موعد قريب... هذا ما جاء في ذهني وقتها... كان منظر المباني والأراضي الزراعية الخصبة الكثيرة الممتدة على مساحة طويلة من المطار يعطي طاقة إيجابية للمتفرج، إلى أن ارتفعت الطائرة وصارت في الأعالي، حيث أمتعت العيون بجمال الجبال الجزائرية التي لا تزال قممها تحتفظ ببعض البياض من الثلج، لتعانق الطائرة السحاب فلا ترى إلا الأزرق يحيط بك من كل الأماكن، خاصة أننا أصبحنا فوق البحر. كان الزمن يمر، وبين النظر من النافدة، ومشاهدة فيلم “آكشن”، تقدمت فتاة ترتدي زي الطباخين من طاقم الطائرة من أحد الركاب وهي تحمل في يدها ورقة، سألته، ثم عادت حاملة إليه طبقا خاصا، هنا بادرنا السيد عبد الله أميني بالقول: إن هذا من بين آخر الخدمات التي تقدمها التركية للطيران لزبائنها، بحيث يمكن للزبون اختيار وقت الرحلة، حجز المكان الذي يناسبه، مع الدرجة، والطعام الذي يود تناوله عن طريق الأنترنت مباشرة، خاصة إذا كان من الزبائن الأوفياء، حيث يتم تحضير الطعام في اسطنبول من طرف طباخين مختصين، لأننا نسعى إلى تقديم الراحة التامة لزبائننا. في لمح البصر وبدون مقدمات، وجدنا أنفسنا دخلنا في العتمة، عندها أدركنا أننا في الحدود الأوروبية، خاصة أننا انهمكنا وقتها في تناول وجبة الضيافة التركية. أشار مرافقنا إلى أن الرحلة ستتم في حدود ثلاث ساعات ونصف ذهابا، وساعتين ونصف إيابا، سألناه عن سبب الاختلاف رغم أن المسافة نفسها فأجاب بأن طريق العودة يصادف دورة الأرض حول الشمس، مما يعني أننا نستفيد من دورتها في كسب الوقت.

بريق الألوان يكسر العتمة...

انطلق صوت قائد الطائرة بثلاث لغات، منبها إلى ضرورة الاعتدال في الجلوس وربط الأحزمة، لأن الطائرة كانت على استعداد للهبوط إلى مطار اسطنبول، هنا شدنا الفضول إلى النظر من جديد من النافدة خاصة أن المشاهدة من أعلى لها سحر خاص... بريق الأضواء المتلئلة من بعيد كان مغريا، وعند اقترابنا من الهدف، بدت معالم المدينة بأضوائها الساحرة التي تغازل البصر، فالألوان الجذابة كلها موجودة؛ الأحمر، الأصفر، الأزرق، البنفسجي والذهبي، كلها ألوان أضواء لكبريات المحلات، ولعل أول ما شد انتباهي حينها؛ كثرة المباني ذات القبب المنتشرة هنا وهناك، هي مساجد وقصور زادت المكان جاذبية. وبين الفينة والأخرى تطل عليها ناطحات سحاب متوسطة الطول ومباني أخرى كبيرة فاخرة... الطائرة تنزل رويدا.. هي الآن على أرضية المطار تسيربسرعة فائقة، ثم تتوقف أخيرا... وصلنا... الحمد لله على السلامة.. تركيا... كلمات مختلفة جادت بها الحناجر للتعبير عن فرحة الوصول بأمان، غادرنا الطائرة على صوت المضيفة التي تردد بالإنجليزية “مع السلامة” ومضيف آخر إلى جانبها يودع بالعربية... من بعيد تلمح العين مطار اسطنبول العالمي، بمجرد أن تطأ قدماك أرضيته حتى تدرك أنك على موعد مع السرعة والتكنولوجيا، الوقت.. الهواتف الذكية تتأقلم مع التوقيت حسب خط غرينيتش. كل شيء هناك يخضع للنظام، رغم شساعة المطار يمكنك أن تعرف وجهتك بسرعة البرق، فالإشارات المعلقة في كل الأماكن ترسم الاتجاهات، كما يمكنك استلام حقائبك خلال دقائق معدودة، فقط عليك النظر إلى التذكرة لتعرف المسلك الذي ستأتيك منه، وبعد ختم الجوازات من طرف شرطة المرور التركية، خرجنا لركوب الحافلة الصغيرة التي جاءت لنقلنا، شاهدنا سيارات التاكسي الصفراء المتراصة لخدمة طالبيها، وكذا جسر السيارات الذي يقطع المطار، وحركة الحياة الدؤوبة، كانت الساعة وقتها تشير إلى التاسعة وخمسة وعشرين دقيقة.

دليلنا السياحي، السيد شريف عريق، من شركة روتانا، بدا متمكنا جدا من مهنته، وهو الأمر الذي شرح لنا سره فيما بعد، والمتمثل في الاطلاع على الكتب التاريخية القديمة التي تقدم أدق التفاصيل عن المنطقة وملوكها وصفات شعبها. طلب منا أن نطرح عليه أي سؤال يجول في خاطرنا، مشيرا إلى أنه مستعد للإجابة للتعريف بالمدينة خصوصا لمن يزورها لأول مرة.

كانت وجهتنا إلى فندق بمنطقة بايزيد “باقصراي” أي القصر الأبيض، وهي من المناطق الراقية، وفورا وضعنا أمتعتنا في الغرف وخرجنا للاستمتاع ببريق الأضواء المغري، لاسيما أن المدينة سياحية والمحلات تغلق أبوابها في وقت متأخر من الليل، خاصة المطاعم.

سيارات التاكسي كانت موجودة بوفرة لوقت متأخر جدا، والمميز هو احترام السائقين لإشارات المرور، والنظافة التي تطبع الشوارع، قلت في خلدي؛ بلدي جميل، ليت مواطنينا أيضا يتحلون بروح المسؤولية والمحافظة على البيئة وجمالية المحيط.

مقهى الجزائر... والجامع الأزرق

في الصباح كنا على موعد مع جولة في أماكن مختلفة من اسطنبول، البداية كانت من منطقة بيازيد التي يوجد بها مسجد “بايزيد” الذي يرمم حاليا، وهو من أجمل وأفخم مساجد المنطقة، بناه السلطان بايزيد الثاني، ثامن سلاطين الدولة العثمانية سنة 1506، علما أنه يوجد 3200 مسجد باسطنبول وحدها. على أقصى اليمين في أحد الشوارع، أشار لنا شريف إلى أن هذا الحي قبلة التجار الجزائريين، فمنهم من يحجز غرفته في الفندق على مدار السنة، حيث توجد فنادق عديدة بدون نجوم يختارها التجار و”البزناسية”، خاصة أن المكان نفسه معروف بازدهار التجارة، خاصة بيع الألبسة بالجملة، فما إن تدخل محلا حتى يرد عليك صاحبه مباشرة “جملة فقط”... لكن يمكن أن نبيعك قطعك من المخصص للتجزئة، وعلى اليسار لاحظنا لافتة كبيرة كتب عليها “الباتشينو مقهى الجزائر” وهو المقهى الذي يلتقي فيه أغلبية الشباب الجزائري المقيم هناك أو المغترب، حيث يجد فيه عبقا من عطر الوطن. هناك التقينا شبابا من رواد القهوة وآخرين مروا كراما من الجزائريين السياح، حيث أشار إلينا أحد “البزناسية” إلى أن ظروف العمل أصبحت صعبة نوعا ما، خاصة مع غلاء الأسعار مقارنة بالسابق، في حين أكد لنا شاب من العاصمة جاء لاقتناء بضاعته رفقة صديق له، أنه يعمل في التجارة منذ أزيد من 4 سنوات، إذ يجدها مربحة. وبعد إلقاء نظرة على بعض المحلات التي اختار أصحابها العمل يوم الأحد، وهو يوم عطلة هناك، قصدنا الأماكن الأثرية والسياحية في المنطقة، حيث كانت وجهتنا نحو “المسجد الأزرق” و”أيا صوفيا”، وما لاحظناه حينها أن كل المساجد التركية متشابهة في النمط العمراني وإن اختلفت في الحجم فقط، فهذا كبير وذاك صغير، كما أن المآذن الشامخة والكثيرة تزيدها بهاء. عند وصولنا إلى “المسجد الأزرق” أو جامع السلطان أحمد، شاهدنا سيلا بشريا من كل الأجناس يقصد المكان من البوابتين، إذ لابد من الانتظار وخلع الأحذية وارتداء” الإيشارب” بالنسبة للسيدات... الكل على اختلاف اللون والعرق والديانة منبهر بالشكل واللون والعمران، كونه من أهم وأضخم المساجد في تركيا والعالم الإسلامي، بني بين عامي 1609 ـ 1616م، مهندسه محمد آغا أشهر المعماريين الأتراك بعد سنان باشا وداود أغا، يقابل “أيا صوفيا” المتحف القديم والمسجد الجديد الذي هو بصدد الترميم حاليا، به 5 أبواب؛ 3 منها تؤدي إلى صحن المسجد و2 إلى قاعة الصلاة. يتكون الصحن من فناء كبير، للرخام منه نصيب، واسع جدا يمكنه استقبال أعداد هائلة من المصلين، ويتوسطه ميضأة سداسية محمولة على 6 أعمدة، طول ضلعي 64 م و72م، تتوسطه قبة كبيرة يحفها 4 أنصاف من القبب، كما أن كل ركن من أركان المسجد مغطى بقبب صغيرة بها عدد كبير من النوافذ، يعلو المسجد 6 مآذن ساحرة، عندما تُشعل أضواؤه في الليل تبقى العيون به عالقة. وسمي بـ”المسجد الأزرق” بسبب وجود 21 ألف قطعة سيراميك زرقاء جلبت من منطقة إيزمك بتركيا، حسبما أشار إليه دليلنا السياحي.

إقرأ أيضا..

العدد 7071
04 أفريل 2020

العدد 7071