نجوم الصيف في صحراء تندوف
بوصلة البدو الرحل لمعرفة الفصول والاتجاهات
- 80
لفقير علي سالم
اشتهر البدو الرحل بصحاري تندوف، بمعرفتهم الدقيقة بالنجوم، خاصة في فصل الصيف، حيث اعتمدوا عليها في معرفة أوقات اشتداد الحر وتغيرات الطقس، كما كانت تدلهم على مواعيد حفر الأرض والرعي في الصحراء الشاسعة. ومن أبرز منازل ونجوم الصيف، حسبما أفاد به أحد سكان بادية منطقة لكحال، التي تبعد عن مقر الولاية بـ500 كلم، الثريا، وهي مجموعة نجمية صغيرة لامعة.
يُعد طلوع الثريا بداية حساب فصل الصيف والحر الشديد. وهناك أيضًا نجم يسمى "الدبران" أو "المجدح"، وهو نجم أحمر يتبع الثريا مباشرة في الطلوع، ويطلق عليه البدو الرحل اسم "التويبع". وذكر سكان البادية أيضًا الجوزاء، وهي مجموعة من النجوم المنيرة التي تظهر عادة في منتصف القيظ، أي في فترة الحرارة الشديدة، كما هو الحال هذه الأيام بتندوف وصحاريها الممتدة على فضاء صحراوي شاسع. وتدل هذه النجوم، حسب أهل البادية، على اشتداد حرارة الجو.
كما تظهر نجمة تُعرف في أدبيات سكان البوادي وعلماء الفلك باسم "الشعرى"، وهي نجم يظهر بعد الجوزاء، وكان البدو الرحل يراقبونه، لشدة ضوئه ولمعانه في ليالي الصيف الصافية. وفي أواخر فصل الصيف، تظهر نجوم "العواء" و"السماك"، وهي مجموعة نجمية تبشر الرحل بانكسار حدة الحر. وقد برع البدو الرحل، منذ القدم، في معرفة النجوم، ولهم الكثير من الممارسات المرتبطة بها، حيث كانوا يسيرون ليلًا في الصحراء دون أي إضاءة، مسترشدين فقط بالنجوم وسط الأراضي المتشابهة. كما كانت لديهم دراية تامة باستخدام النجوم في تحديد الوقت الذي تبلغ الشمس درجة الزوال. وأفاد أحد شيوخ المنطقة، العارفين بعلم الفلك، استنادا إلى التجارب التي مروا بها، أنهم كانوا يقسمون النهار بواسطة قياس طول الظل، مستعينين بالنجمة القطبية، وهي نجمة لامعة، تشير إلى الجهة الشمالية. وفي الجهة الجنوبية تظهر نجمة "سهيل"، وهي نجم لامع منفرد يُستدل به على جهة الجنوب.
النجوم في الثقافة الحسانية
كشف شيوخ من المجتمع الحساني بصحاري تندوف لـ"المساء"، أن الثقافة الحسانية تضم منظومة غنية من أسماء النجوم والمنازل الفلكية، وهي مستمدة من التراث العربي، وقد وظفها البدو الرحل منذ القدم في معرفة الأوقات، والاستهداء بها في الظلمات، ومعرفة الفصول والاتجاهات، واستقراء أحوال الطقس. ومن أبرز هذه النجوم والمنازل، كما يروي البدو الرحل بصحراء تندوف، "الهقعة" و"الهنعة"، وهما منزلتان فلكيتان مرتبطتان بحساب الأوقات ومواسم الأمطار، إلى جانب نجم "المشبوح"، الذي يُعد من التشكيلات النجمية المعروفة لدى البدو الرحل، إضافة إلى نجوم "الكلب" و"لكليل"، التي تُستخدم للاستدلال بها على الطرق والجهات ليلًا، كما أشار إلى ذلك أحد العارفين بنجوم الصحراء في تندوف. ومن أبرز وظائف معرفة النجوم لدى المجتمع البدوي الصحراوي، تحديد أوقات الحر وهبوب الرياح، ومعرفة الفصول، والاستدلال على الاتجاهات والبراري وموارد المياه، وهو ما يعكس عمق ارتباط الإنسان الصحراوي بالسماء، وقدرته على توظيف الظواهر الفلكية في تسيير شؤون حياته اليومية.