من خدش بسيط إلى مضاعفات خطيرة
الوعي والتلقيح سلاحا مواجهة "التيتانوس"
- 161
نورالهدى بوطيبة
يفرض الوعي الصحي نفسه اليوم، أكثر من أي وقت مضى، في ظل تزايد الحوادث اليومية البسيطة التي قد يمر عليها كثيرون دون اهتمام، فجرح صغير أثناء العمل، أو خدش عند القيام بأشغال منزلية، أو إصابة أثناء اللعب، أو المشي خارج البيت، قد تبدو للوهلة الأولى أمرا عاديا، غير أن التعامل معها باستهانة قد يخفي مخاطر صحية لا يدركها كثير من المواطنين، خاصة عندما يتعلق الأمر بأمراض يمكن الوقاية منها، لكنها قد تتحول إلى خطر حقيقي، عند التأخر في التكفل بها، بل وتهدد صحة وسلامة وحياة المصاب بها.
يعد "التيتانوس" أو ما يعرف علميا في اللغة العربية بـ"الكزاز”، من بين هذه الأمراض التي ما تزال تثير قلق المختصين، ليس بسبب انتشارها، إنما بسبب استمرار بعض السلوكيات الخاطئة المرتبطة بالجروح، وجهل فئة من المواطنين بأعراض المرض وطرق الوقاية منه، أو الاعتقاد بأنه يرتبط فقط بالمسامير الصدأة، في وقت تؤكد المعطيات الطبية، أن الوقاية تبدأ منذ اللحظات الأولى بعد الاصابة، ويبقى التلقيح والتدخل السريع الوسيلة الأكثر فعالية، لتفادي مضاعفات قد تهدد حياة المصاب.
ورغم التطور الذي عرفه الطب، وتوفر اللقاحات التي حدت بشكل كبير من الإصابة بـ"التيتانوس”، إلا أن هذا المرض لا يزال يسجل حالات متفرقة، غالبا بسبب الإهمال، أو الجهل بأهمية التلقيح، أو التأخر في التوجه إلى الطبيب، بعد التعرض لجرح ملوث، وهو ما يجعل التوعية والوقاية، السلاح الأول لتفادي مضاعفات قد تكون مميتة.
عن هذا الموضوع، أوضح صابر خربوش، طبيب عام من مصلحة الطب الجواري ببرج الكيفان، أن "التيتانوس" مرض تسببه بكتيريا تعيش في التربة والغبار وروث الحيوانات، ويمكن أن تدخل إلى الجسم عبر أي جرح ملوث، سواء كان كبيرا أو صغيرا، عميقا أو سطحيا، مشيرا إلى أن الاعتقاد السائد بأن المسمار الصدئ وحده يسبب "التيتانوس"، غير صحيح، لأن الخطر مرتبط بتلوث الجرح بالبكتيريا، وليس بالصدأ في حد ذاته، مؤكدا أن الصدأ فقط أحد البيئات المثالية لتراكم وتكاثر تلك البكتيريا.
أشار الطبيب، إلى أن فترة ظهور الأعراض قد تمتد من عدة أيام إلى أسابيع، غير أن معظم الحالات تظهر خلال أسبوع إلى أسبوعين بعد الإصابة، وتبدأ غالبا بتشنج في عضلات الفك، وصعوبة في فتح الفم، ثم تيبس في الرقبة، وصعوبة في البلع، وتشنجات مؤلمة في مختلف عضلات الجسم، وقد ترتفع حرارة المصاب، وقد يعاني بسببها من صعوبة في التنفس، مع تقدم المرض، وهي علامات تستوجب التوجه فورا إلى أقرب مصلحة استعجالات.
أكد المتحدث أن “التيتانوس” لا يُعالَج في المنزل، ولا يكفي تعقيم الجرح أو تناول المضادات الحيوية دون استشارة طبية، لأن المصاب قد يحتاج إلى مصل مضاد لـ"التيتانوس”، ولقاح إذا لم يكن محصنا، إلى جانب أدوية للسيطرة على التشنجات، ورعاية طبية متخصصة في بعض الحالات، لذلك فإن عامل الوقت يعد أساسيا في إنقاذ حياة المريض.
وشدد الطبيب على أن تلقي اللقاح لابد أن يكون في أقرب الآجال، وعليه تخصص العديد من المصالح الطبية والمستشفيات، كمستشفى "القطار"، المختص في هذا النوع من الأمراض، يومين في الأسبوع، للتطعيم ضد “التيتانوس” وضد داء الكلب، عادة هما يومي الإثنين والأربعاء، كونهما يتوسطان الأسبوع لتغطية جميع الاستعجالات ما بين تلك الأيام، على حد تعبيره، وأشار إلى أن التطعيم ينقسم إلى ثلاث جرعات، أولى وثانية بعد شهر، ثم ثالثة بعض ستة أشهر، ليدوم حينها التحصين عدة سنوات أخرى، وشدد على أهمية التوجه لأقرب مصلحة استعجالية، وتحديد البروتوكول العلاجي الواجب اتباعه.
وأضاف المتحدث، أن الوقاية تبقى الوسيلة الأكثر فعالية، من خلال الالتزام ببرنامج التلقيح، والحرص على الجرعات التذكيرية التي ينصح بها كل عشر سنوات، مع تنظيف أي جرح مباشرة بالماء والصابون، وعدم وضع مواد تقليدية أو وصفات شعبية على مكان الإصابة، يمكن الاكتفاء في مرحلة أولى بالماء وقطرتين من الجافيل، لتنظيف الجرح، ثم مراجعة الطبيب لتقييم الحالة وتحديد الحاجة إلى اللقاح أو المصل، خاصة إذا كان الجرح عميقا أو ملوثا بالتراب أو بفضلات الحيوانات.
وشدد الطبيب على أن الأطفال والعمال في الورشات والفلاحين والبستانيين، وكل من يكثر احتكاكهم بالتربة أو الأدوات الحادة، مطالبون بإعطاء أهمية أكبر للتلقيح، لأن طبيعة نشاطهم تجعلهم أكثر عرضة للإصابة بالجروح الملوثة، كما دعا الأولياء، إلى الاحتفاظ بدفتر تلقيح أبنائهم، والتأكد من استكمال جميع الجرعات في مواعيدها.
وأكد المتحدث، أن كثيرا من الناس لا يتذكرون متى تلقوا آخر جرعة من لقاح “التيتانوس”، ولا يدركون أن المناعة لا تستمر مدى الحياة من دون جرعات تذكيرية، وهو ما يجعل مراجعة الوضعية التلقيحية أمرا ضروريا، خاصة قبل السفر، أو ممارسة بعض المهن، أو بعد التعرض لإصابة. ويختم الطبيب، بالتشديد على أن “التيتانوس”، من الأمراض التي يمكن الوقاية منها بشكل شبه كامل، غير أنه قد يصبح قاتلا، عند التهاون في التعامل مع الجروح أو إهمال التلقيح، لذلك فإن كل جرح ملوث يستحق الاهتمام، وكل دقيقة قد تصنع الفارق، لتبقى الوقاية والوعي الصحي أساسيين لحماية فعالة.