فيما طالبت جمعيات فاعلة بتخصيص يوم تاريخي لها

"الملاية العنابية" رمز الحزن وساترة جمال الشرق

"الملاية العنابية" رمز الحزن وساترة جمال الشرق
سميرة عوام سميرة عوام

تبذل الجمعيات الفاعلة بولاية عنابة، قصارى جهدها، خاصة تلك التي تهتم بالتراث التاريخي للمدينة، بهدف استرجاع مكانة بعض القطع الجميلة من اللباس العنابي الأصيل، ومن بين القطع التي عاد الحديث عنها، من أجل تنظيم يوم احتفالي لـ"الملاية العنابية"، التي فقد أثرها منذ السنوات، فمرتديات "الملاية" بمدينة عنابة، يمكن عدّهن على الأصابع، إذ تجدهن في أزقة "بلاص دارم" يجُلن بهذا اللباس، الذي بات قديما باليا، بعد أن أُغلق المحل الخاص بخياطته، بعد وفاة صاحبه مباشرة، ورغم ذلك، بقيت بعض النسوة متمسكات بـ"الملاية"، التي تعتبر لباسا له حكاية قديمة في الشرق الجزائري.

تعتبر "الملاية" أو الملحفة العنابية، إرثا ثقافيا وكنزا نسويا خاصا في منطقة الشرق الجزائري، حيث تحرص النساء على ارتدائها، ولأن تاريخها عريق، تحدثت "المساء" مع الأستاذ الهادي طرشة، مؤرخ وجامع للتراث القديم بمدينة عنابة، وإمام جامع سيدي ابراهيم بن تومي، عن خاصيتها، ألوانها ومدلولاتها.

رياح العصرنة التي عصفت بالزي التقليدي، لم تتمكن من إزاحة الملاية عن عرشها، فسيدات العائلات العريقة بعنابة،  لازلن يرتدينها مصحوبة بالكعب العالي، وحسب المؤرخ الهادي طرشة، فإن "الملاية رداء أسود، تتستر به المرأة عند خروجها من البيت، وترتديه مصحوبة بقطعة من القماش الأبيض الناصع المعروفة بـ"العجار"، الذي يعتبر جزءا مهما لإخفاء محاسن المرأة، وهو مقرون بالحياء والشرف. وقد اقترن لباس الملاية بالحزن على فراق صالح باي، بايلك قسنطينة، الذي كان محبوبا لدى العامة في شرق البلاد.

وأضاف محدثنا قائلا: "من خلال طول الملاية، يتم التمييز بين المرأة العازبة، والمتزوجة والمسنة، بالنسبة للعازبة فإن الملحفة أو الملاية تكون شديدة السواد، وطولها يسمح بمشاهدة الكعب العالي والخلخال، إضافة إلى العجار صغير الحجم الذي يكون على شكل مثلث ويصنع من الطوبي أو الحرير، حسب القدرة الشرائية لكل عائلة، كما تزين الملاية بالسفيفة ذات اللون الأحمر، أما المرأة المتزوجة، فيكون عجارها مزينا ومزركشا، وتكون الملاية طويلة، ما يوحي بأن المرأة شابة ومتزوجة. أما المسنة فترتدي الجوارب مع الملاية الطويلة، والعجار يكون أطول".

ولم يغفل الأستاذ طرشة، خلال حديثه، عن إبراز مزايا "الملاية" أثناء الثورة التحريرية، والتي كانت ترتديها المجاهدة لحمل السلاح والرسائل والذخيرة، لتنفيذ العمليات الفدائية.

ونظرا لقيمة هذا اللباس التقليدي، صنعت المسنات نوعين منه، الأول رمادي اللون وهو صالح للتسوق وزيارة المريض، أما الملاية ذات اللون الأسود، فتخصص للأعراس. كما ساعدت الملاية على محو الفوارق الاجتماعية والطبقية بين العائلات بعنابة، والدليل على ذلك أن العروس العنابية، كانت تأخذها في جهازها للتنقل بها إلى الحمامات الشعبية والحفلات وزيارة الأهل والجيران.

وبغرض الحفاظ على هذا الإرث، يسعى الأستاذ طرشة، ومجموعة من المؤرخين بعنابة، إلى إنجاز متحف خاص لعرض هذا اللباس التقليدي القديم، والمحافظة عليه، خاصة أنها في طريق الزوال.

من جهة أخرى، طالبت عدة جمعيات فاعلة في جميع التراث العنابي، بإحياء يوم تاريخي للملايا العنابية، وقد أكدت هذه الجمعيات، على جمع عدة قطع للملايا العنابية، التي مرت على مراحل عديدة ووضعها في متحف من أجل تحويله إلى مكسب تاريخي وسياحي، يكون بمثابة تراث يعرف به لدى السياح الأجانب وكل زوار عنابة.