الحر يغيّر العادات

المروحة اليدوية تكتسح الشوارع ووسائل النقل

المروحة اليدوية تكتسح الشوارع ووسائل النقل
  • 128
نور الهدى بوطيبة نور الهدى بوطيبة

منذ سنوات قليلة كانت المروحة اليدوية تبدو للكثيرين قطعة تنتمي إلى الماضي، أو ينحصر استعمالها في مناسبات معيّنة، كالأعراس. وكان يحتفظ بها كبار السن، أو تُعرض في المحلات المخصّصة لبيع أكسسوارات الأعراس والهدايا. ولكلّ ثقافة حول العالم نسختها الخاصة؛ فهناك المراوح الآسيوية التي تتميّز بخامة الحرير، وأخرى أوروبية، لا سيما الإسبانية المصنوعة من الدانتيل، وحتى الإفريقية التي تتميز بألوانها الزاهية، والمصنوعة من الدوم والخشب، والمتنوّعة أشكالها.

لكن مشاهد الصيف في السنوات الأخيرة رسمت صورة مختلفة تماما، وأعادت موجات الحرّ القياسية هذه الأداة البسيطة إلى الواجهة بعدما باتت درجات الحرارة ترتفع إلى مستويات غير مسبوقة في الجزائر؛ فلم يعد حمل المروحة أمرا استثنائيا أو مرتبطا بالمناسبات، بل أصبح جزءا من الحياة اليومية، سواء في الشوارع، أو وسائل النقل، أو الحدائق، أو الأسواق؛ باعتبارها وسيلة تمنح مستعمليها نسمة هواء تخّفف وطأة الحر.

لم يعد استعمال المراوح مجرّد موضة عابرة، بل فرضته الظروف المناخية نفسها. فالتقارير الصادرة عن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية تشير إلى أنّ العالم يشهد ارتفاعا متواصلا في درجات الحرارة، مع تسجيل أعوام متتالية ضمن الأكثر حرارة منذ بدء تسجيل البيانات المناخية. وهو ما انعكس مباشرة على تفاصيل الحياة اليومية، فازدادت الحاجة إلى وسائل التبريد حتى خارج البيت أو أماكن العمل. وعادت تلك الوسائل البسيطة التي يمكن حملها في كلّ مكان. ووسط هذا الواقع عادت المروحة اليدوية الكلاسيكية، وبرزت معها المراوح الكهربائية المحمولة، لتتحوّل من أداة قديمة إلى رفيق دائم في فصل الصيف؛ فهي سهلة الحمل، وتتّسع لها حقيبة اليد. وتجمع بين العملية، وسهولة الاستخدام، ولمسة من الأناقة. ويمكن إخراجها كلّما ارتفعت درجة حرارة الجوّ لتلطيف الأجواء ولو قليلا.

ورغم التطوّر الكبير الذي شهدته أجهزة التكييف ووسائل التبريد الحديثة، بقيت المروحة تحتفظ بميزة لا توفّرها معظم الأجهزة؛ فهي ترافق صاحبها أينما ذهب، ولا تحتاج إلى تجهيزات معقّدة. كما تمنح شعورا فوريا بالانتعاش؛ ولذلك أصبحت مشاهد استخدامها تتكرّر في محطات الحافلات، ووسائل النقل، وأثناء الانتظار في الطوابير، وفي المقاهي المفتوحة، والأسواق الشعبية، وحتى في الحفلات والمناسبات الصيفية. وكثيرا ما يمكن ملاحظة أشخاص يُخرجون مراوحهم من حقائبهم بمجرّد اشتداد حرارة الشمس؛ في مشهد بات يتكرّر بصورة يومية.

ولا يقتصر استعمال هذه الأداة البسيطة على المرأة، بل للرجل أيضا نسخته البسيطة، إذ يكتفي أحيانا بقصّ قطعة من الكرتون أو الورق المقوى ويستعملها للتخفيف من حرارة الجوّ، في حين يستعمل بعض كبار السن، خاصة في المناطق الداخلية والصحراوية، مراوحهم الخاصة المصنوعة بالطريقة التقليدية، عادة من الدوم، أو من البلاستيك المعاد تدويره، والذي يُنسج على شكل خيوط مضفورة، وتُثبَّت له يد خشبية لتسهيل حمله، واستعماله في الترويح.

وماتزال المروحة اليدوية الكلاسيكية الأكثر ارتباطا بالذوق الرفيع والحنين إلى الماضي؛ فهي تُصنع عادة من الخشب الخفيف. وتُغطَّى بالقماش بمختلف أنواعه، أو بالورق المقوى المزخرف. وتُزيَّن برسومات الورود، والمناظر الطبيعية، والزخارف الشرقية، والأشكال الهندسية، فيما تعتمد بعض النماذج الفاخرة على الأقمشة الحريرية، والتطريز اليدوي، والدانتيل، وهو ما يجعلها أقرب إلى قطعة فنية منها إلى أداة للاستعمال اليومي. وتباع هذه المراوح بأسعار متفاوتة؛ إذ تبدأ من 200 دينار وتصل إلى 2500 دينار للأنواع الكلاسيكية، في حين يتراوح سعر المراوح الكهربائية المحمولة بين 600 دينار للنسخ الصينية، ويصل بعضها إلى 3500 دينار للأنواع ذات الجودة الأفضل.

وفي المقابل، فرضت المراوح اليدوية الكهربائية نفسها بقوّة خلال الأعوام الأخيرة، مستفيدة من تطوّر البطاريات القابلة للشحن، وصغر حجم المحركات الكهربائية، فأصبحت خفيفة الوزن، وسهلة الحمل. ويمكن تشغيلها لساعات طويلة بعد شحنها عبر منفذ USB. كما توفّر عدّة مستويات للسرعة. وبعضها مزوّد بشاشة صغيرة لإظهار نسبة شحن البطارية، أو بمصباح مدمج، أو بقاعدة تسمح باستخدامها على المكتب، أو بحبل لتعليقها، فيما صُممت نماذج أخرى لتُعلَّق حول الرقبة؛ حتى تبقى اليدان حرتين أثناء المشي أو ممارسة الرياضة.