التدبير المنزلي في رمضان
المرأة العاملة تسابق الوقت
- 223
سميرة عوام
مع اقتراب شهر رمضان المبارك، تعرف بيوت أهل عنابة حركية دؤوبة، حيث تتحول المطابخ إلى "ورشات عمل" حقيقية لا تهدأ، واللافت في السنوات الأخيرة، التغيير الكبير في ذهنية المرأة العنابية، خاصة العاملة منها، التي انتقلت من أسلوب "الطهي اليومي المجهد"، إلى استراتيجية "التحضير المسبق". الهدف من كل هذا، تقليص ساعات الوقوف في المطبخ لربح الراحة والصحة والوقت للعبادة، دون التفريط في نكهة "سيدي رمضان" التي تميز مدينة بونة.
تبدأ التحضيرات الجدية أياماً قبل الشهر الفضيل، حيث ترفع النساء شعار "التدبير قبل التبذير". وفي صلب هذه العملية، يأتي تحضير الدجاج المتبل كمنقذ أول للمرأة العاملة. فبدل تضييع الوقت يومياً في التنظيف والتقطيع بعد العودة من العمل، تعمد المرأة العنابية إلى شراء كميات الدجاج وتجهيزها دفعة واحدة. يتم تنظيفه جيداً بالخل والليمون، ثم يُقسم حسب الوجبات؛ فهناك أجزاء تُتبل بالثوم والمعدنوس والليمون ورأس الحانوت، لتكون جاهزة لـ "دجاج الكوشة"، وهناك الصدور التي تُقطع وتُتبل بالبصل والمعدنوس لتكون جاهزة لطواجن "للأطباق التقليدية، مثل "طاجين الزيتون والشطيطحة". وضع الدجاج في المجمد، حسب بعض العاملات، وهو متبل، ليس مجرد توفير للوقت، بل هو سر المذاق القوي، لأن اللحم يتشرب التوابل بعمق، ويصبح نضجه أسرع فوق النار.
لا تتوقف التحضيرات عند الدجاج فحسب، بل تمتد لتشمل "العمود الفقري" للمطبخ العنابي. وهي "الدرسة الحمراء"، حيث أصبحت النساء يحضرن كميات كبيرة من الثوم والفلفل المهروس، وتخزن في علب صغيرة. كما يتم تقطيع (الحشائش الخضراء من كرفس ومعدنوس) وتجميده في حصص يومية، مما يجعل تحضير "جاري الفريك" أو الشوربة عملية سهلة لا تستغرق دقائق. حتى "البوراك" العنابي الذي لا يغيب عن المائدة، أصبح يُجهز حشوه (لافارس) مسبقاً ويُحفظ في المجمد، ليبقى للأم العاملة فقط عملية اللف والقلي السريع لحظات قبل آذان المغرب.
إن هذه الثقافة الجديدة في التحضير، تعكس وعياً كبيراً لدى المرأة في عنابة؛ فهي تدرك أن رمضان هو شهر العبادة واللمة العائلية، وبفضل هذه التحضيرات، تستطيع الموظفة العنابية أن تعود إلى بيتها وهي مرتاحة البال، لأن "نصف الطبخة" جاهز في المجمد، وما عليها إلا القيام باللمسات الأخيرة. إنه الذكاء المنزلي الذي يجمع بين الحفاظ على التقاليد العنابية الأصيلة، ومسايرة نبض الحياة السريع، لتظل مائدة رمضان في بونة دائماً "عامرة" بالخير، وبأقل مجهود ممكن.