بين ثقل الديون واستنزاف جيوب العائلات

اللمجة المدرسية ميزانية خاصة

اللمجة المدرسية ميزانية خاصة
  • 186
سميرة عوام سميرة عوام

​تخصص الأمهات عادة، خاصة مع انطلاق الدخول المدرسي الجديد، ميزانية كبيرة لشراء “اللمجة اليومية” لأبنائهن المتمدرسين، لاسيما تلاميذ الطور الابتدائي. وتشكل هذه الوجبة الخفيفة، ملفا يوميا ثقيلا يؤرق كاهل الأسر، بعدما أصبحت تتطلب اقتطاع مبالغ مالية هائلة ومستمرة، من دخل العائلة، لمواجهة مصاريفها، مما يضاعف الأعباء الاقتصادية على الأولياء، ويفتح بابا واسعا للاستدانة مع بداية كل موسم دراسي جديد.

تجد العديد من العائلات الجزائرية نفسها مجبرة، تحت ضغوط الروتين الصباحي المزدحم ورغبات الأطفال الملحة، على التوجه نحو المحلات القريبة من المؤسسات التربوية، والمساحات التجارية الشاسعة. حيث ترصد الأمهات مبالغ مالية يومية، لشراء العصائر المصنعة، البسكويت، “بوب كورن”، والشكولاطة الجاهزة. ومع الارتفاع الكبير والمتواصل في أسعار هذه المنتجات الاستهلاكية، تحولت اللمجة اليومية إلى استنزاف مالي، يمتد طوال أشهر السنة الدراسية، خاصة لدى العائلات التي تضم ثلاثة أو أربعة أطفال في المرحلة الابتدائية، إذ أصبحت هذه المصاريف اليومية البسيطة في ظاهرها، تشكل حصة كبيرة من الميزانية الشهرية للبيت، وتلتهم جانبا مهما من مصاريف المعيشة الأساسية.

​وأمام هذا العبء المالي المتزايد، وضعف القدرة الشرائية لدى معظم الأولياء، تضطر الكثير من العائلات إلى الاقتراض واستدانة الأموال من الأقارب والمحيطين بهم، لتأمين مصاريف اللمجة المدرسية بشكل يومي. بل إن الظاهرة الأكثر انتشارا في الأحياء الشعبية، تتمثل في لجوء الأولياء إلى الشراء بالدين من محلات بيع المواد الغذائية المجاورة لمنازلهم؛ حيث تدون مصاريف البسكويت والعصائر والحقائب المدرسية الصغيرة في دفتر “الكريدي”، لتسديد تلك الفواتير المتراكمة في نهاية كل شهر، أو عند استلام الرواتب الشهرية، مما يُدخل الأسرة في حلقة مفرغة من الديون المستمرة، التي لا تنتهي طيلة الموسم الدراسي.

المختصون يحذرون..

لا يقف تعب وشقاء العائلة عند حدود الشق المالي، واستنزاف ميزانية الأسر عبر القروض والدين، بل يتعداه، ليطرح مخاوف صحية وتربوية بالغة الخطورة على سلامة التلاميذ في المدارس الابتدائية، حيث يحذر أطباء الأطفال والمختصون في التغذية، من المخاطر الناجمة عن الاعتماد المفرط على هذه الوجبات الجاهزة، بالنظر إلى محتواها العالي من السكريات السريعة، المواد الحافظة، والألوان الاصطناعية. وتسبب هذه المكونات اضطرابا شديدا في مستويات السكر لدى الطفل، ما ينعكس في شكل فرط حركة وتوتر داخل القسم في الساعات الأولى من الصباح، يليه خمول مفاجئ وشتات ذهني، يؤثر مباشرة على التحصيل الدراسي والتركيز، فضلا عن أمراض السمنة المبكرة، تسوس الأسنان، والمشاكل الهضمية المعقدة على المدى الطويل.

​إن الاستمرار في هذا المسار الاستهلاكي، يمثل تهديدا مزدوجا للوضع المالي للأسرة والصحة البدنية والذهنية للتلميذ. ومن هذا المنطلق، تتأكد أهمية تكامل الأدوار بين الأسرة والمؤسسات التربوية، من أجل نشر التوعية الصحية، ومساعدة الأولياء على فهم المخاطر الحقيقية المحيطة بهذه الوجبات المصنعة، وتصحيح المفاهيم الخاطئة، التي تجعل من العلب المزينة والمأكولات السريعة، معيارا للرفاهية أو حلا أسهل لضيق الوقت الصباحي.

أكل المنزل خيار استراتيجي

أمام هذه المعادلة الصعبة، تبرز ضرورة العودة إلى البدائل المنزلية البسيطة والصحية، كخيار استراتيجي حتمي، يحمي ميزانية البيت وصحة الأبناء على حد سواء. إن تحضير سندويشات الخبز الكامل مع الجبن الطبيعي أو البيض المسلوق، وإرفاقها بقطع التمر، الفواكه الموسمية، أو المخبوزات المنزلية البسيطة، يُشكل حلا اقتصاديا، ينهي كابوس الديون المتراكمة لدى محلات التجزئة، ويوفر للتلميذ الطاقة المتوازنة والمستدامة، التي يحتاجها طوال اليوم الدراسي، دون إرهاق كاهل الأولياء بمصاريف باهظة.

​ويبقى تغيير هذه الثقافة الاستهلاكية مسؤولية مجتمعية حتمية، تتطلب تضافر جهود جميع الفاعلين في الفضاء التربوي والاجتماعي، عبر تنظيم أيام تحسيسية وحملات توعوية دورية في المدارس والمراكز الثقافية، لنشر ثقافة اللمجة المنزلية الصحية، ورفع هذا الثقل المالي الكبير عن كاهل الأسر، وتأمين مستقبل صحي ودراسي لأطفالنا، بعيدا عن ديون المحلات والحلول الاستهلاكية الضارة.