فيما تراجعت الزيارات العائلية بعنابة
الفضاءات المفتوحة بديل الجلسات المنزلية
- 191
سميرة عوام
تحولت اللمات واللقاءات العائلية بمدينة عنابة، إلى حلم الكثير من سكان المنطقة، رغم توفر ظروف هذه اللمة، وقدوم العطلة الصيفية، التي تعتبر فرصة لإقامة السهرات في البيت الكبير ولقاء الأحباب، خاصة مع قدوم الجالية من الخارج. هذه الفرصة التي كانت تستغل في الماضي، لجمع الشمل وتجديد الروابط، سجلت في السنوات الأخيرة، تحولا ملحوظا في نمط التواصل الاجتماعي؛ إذ تراجعت الزيارات المنزلية التقليدية بشكل لافت، لصالح "اللقاءات السريعة" في المقاهي، المطاعم والحدائق العامة، وعلى طول الكورنيش، في سلوك جديد، يعكس تغيرا عميقا في ثقافة صلة الرحم، وكيفية قضاء الأوقات العائلية خلال فصل الصيف.
كانت اللمات العائلية في السابق بمدينة عنابة، تمتد لساعات طويلة داخل المنازل العتيقة، وفي الشرفات المفتوحة لـ"البيت الكبير"، حيث يجتمع الأقارب والمغتربون حول صينية الشاي والحلويات التقليدية، لتداول الأخبار واسترجاع ذكريات الصبا وتعميق الروابط الأخوية. أما اليوم، فقد أضحت الكثير من العائلات العنابية، تفضل الاتفاق المسبق على موعد محدد في إحدى المساحات المفتوحة بوسط المدينة، أو على الشاطئ، وفي المنتجعات الغالية.
تقتصر هذه اللقاءات الحديثة، حسب بعض العائلات، ومنها عائلة ذباح، على جلسة سريعة لتناول مشروب خفيف أو وجبة سريعة، يعود بعدها كل طرف إلى بيته، دون الحاجة إلى التزاور المنزلي المباشر، وهو ما يراه البعض، حلولا عملية تناسب إيقاع الحياة العصرية، وتواكب التغيرات السريعة.
وفي انطباعات رصدها مواطنون بالمدينة، يرجع السكان هذا التحول الاجتماعي، إلى عدة أسباب متداخلة، في مقدمتها رغبة العائلات في تخفيف الأعباء المنزلية والتكاليف المادية الناجمة عن ضيافة الزائر. فالاستقبالات المنزلية تتطلب تحضيرات شاقة، وجهدا كبيرا في المطبخ، والتنظيف، فضلا عن مصاريف الإطعام التي أصبحت تشكل عبئا ثقيلا على كاهل الأسر، في ظل ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة. وتعتبر اللقاءات في المقاهي والفضاءات العامة، خيارا مريحا، يرفع عن كاهل ربات البيوت مشقة التحضير والاستضافة، ويمنح الجميع فرصة التلاقي والتواصل دون حرج، أو كلفة مالية زائدة، قد تؤرق ميزانية العائلة.
من جانب آخر، ساهم تغير نمط الحياة، وانتشار الوسائط الرقمية والهواتف الذكية، في تغيير مفهوم التواصل بين الأفراد، إذ أصبحت الأسر تفضل استغلال أوقات الفراغ الصيفية القليلة، في الخروج للتنزه والاستجمام في الهواء الطلق، بدلا من البقاء داخل جدران المنازل المغلقة. كما أن ضيق المساحات السكنية في بعض الأحياء الحديثة، جعل من الفضاءات المفتوحة والحدائق العامة بديلا مناسبا، يتيح اتساع الأعداد الكبيرة للأفراد وتوفر مساحات لعب آمنة للأطفال، مما يشجع العائلات على نقل جلساتها الأسبوعية إلى الخارج، للاستفادة من أجواء البحر والنسيم الصيفي العليل.
يضاف إلى ذلك، التغير الملحوظ في طبيعة العمل والمواعيد اليومية؛ حيث أصبح الكثير من الشباب والموظفين يرتبطون ببرامج عمل مكثفة ومواعيد متغيرة، مما يجعل تنظيم زيارة منزلية رسمية أمرا صعبا، يتطلب ترتيبات سابقة وتنسيقاً معقداً. لهذا السبب، باتت الجلسات السريعة في المقاهي، الفضاء الأنسب للالتقاء السريع، دون الالتزام بساعات طويلة، حيث يمكن اقتطاع ساعة واحدة للدردشة وتفقد الأحوال، ثم العودة لمتابعة الالتزامات الشخصية والمهنية بكل سهولة ومرونة.
ورغم ما توفره هذه اللقاءات السريعة من مرونة وراحة نفسية، إلا أن مهتمين بالشأن الاجتماعي في ولاية عنابة، يرون أنها أثرت بشكل مباشر على عمق العلاقات العائلية ودفئها التقليدي، الذي تميزت به المنطقة عبر العقود. فالجلسات العامة السريعة، غالباً ما تتسم بالسطحية وضيق الوقت، وتغيب عنها الخصوصية والأمان الأُسري الذي كان يتيح للأقارب، مناقشة قضاياهم العميقة وتبادل الدعم النفسي والاجتماعي بحرية تامة. كما أن الانشغال بالمحيط الخارجي وصخب المكان وضجيج الحركة، يقللان من جودة الحوار المباشر، مما يحول صلة الرحم من رابطة إنسانية عميقة ودافئة، إلى مجرد مجاملات اجتماعية عابرة وإسقاط واجب لا أكثر.
وقد أجمعت العديد من العائلات العنابية، على أن هذا التحول الاجتماعي الملحوظ في الشارع العنابي، ضرورة إيجاد التوازن المطلوب والواعي بين متطلبات العصر الحديث، والحفاظ على أصالة الروابط العائلية، فالخروج إلى المقاهي والفضاءات العامة، يظل سلوكا ترفيهيا إيجابيا للتنزه وتغيير الروتين اليومي، لكنه لا يجب أن يكون بديلا كاملا، يقطع الدفء الأسري واللمات المنزلية التي شكلت دائما الهوية وخصوصية كل منطقة. إن العناية بصلة الرحم وتغليب روح التزاور البسيط دون تكلف أو أعباء مالية، يعدان الحصن الأساسي لحماية التماسك الاجتماعي واستمرارية المحبة بين الأجيال، بعيدا عن صخب الفضاءات العامة وجفاف اللقاءات السريعة.