حين يتحول الادخار إلى حكمة

"العولة".. أمان البيوت وطمأنينة المواسم

"العولة".. أمان البيوت وطمأنينة المواسم
  • 220
 وردة زرقين وردة زرقين

كانت قيمة البيت في الجزائر، قديما، تُقدر وتُحسب بـ«العولة"، تقوم بتحضيرها ربات البيوت، تحسبا لفصل الشتاء وأيام البرد وتساقط الثلوج، ومن عادات الأسر، أنها كانت تقوم بجمع العولة والزاد في فصل الصيف، كخطة حياة عادية من مواد استهلاكية واستعمالها عند الحاجة.

"العولة" بالمفهوم العام، العيش المتوازن للفرد، بمعنى مخزون المواد الغذائية الأساسية التي تستهلكها العائلات، أي تخزين المنتجات الزراعية من فصل إنتاجها الوفير، وادخارها للفصول الأخرى، كالقمح والشعير والدقيق والبقول الجافة، إضافة إلى بعض الخضراوات واللحوم، يتم تحضيرها في فترة الحصاد وبيع المنتوج، هي تقليد اقتصادي ثقافي مرتبط بجني المحصول، ويُعرف بالأساس بنظام الاكتفاء الذاتي.

في الموروث الشعبي الجزائري، يتداول عديد من الأمثال والحكم لفظ "العولة"، وأهميتها في الحياة اليومية للمواطن، على غرار "التدبير نصف لمعيشة"، "نهار الصيف قصير والعولة تدبير"، وباعتبار قالمة على سبيل المثال، منطقة فلاحية، فإن أكبر نسبة من مؤونة أهلها المدخرة، عبارة عن مواد غذائية مصدرها العجائن، على غرار الكسكسي والدقيق والمحمصة والعيش والروينة، إلى جانب الكرموس والطماطم المشرحة والفلفل الطرشي وغير ذلك، إذ تستغل العائلات، لاسيما في المناطق الريفية والنائية، موسم جني الغلال الفلاحية كل عام، لتخزين المؤونة أو ما يطلق عليها في اللهجة الشعبية "ستر الدار"، استعداداً لفصل الشتاء، وهو ما يترجمه المثل الشائع: "النعجة والعويجة (السنبلة) والنحل إذا جا"، تعبيرا عن الاحتياط والادخار والتفكير في المستقبل.

وبما أن "العولة" تعد أحد أهم التقاليد التي تركتها الجدات، وحرصت على نقلها وتلقينها للحفيدات، فإن أولى العادات التي دأبت عليها العائلات الجزائرية عامة، والقالمية خاصة، على اتباعها طيلة قرون، لتوفير قوت يومها وإغلاق الباب أمام الحاجة والجوع، فهي تخزين "الكسكسي" و«العيش"، حيث تتبنى عملية "الفتيل" على قانون "التويزة"، وهي اجتماع النساء للعمل الجماعي المجاني كل يوم عند واحدة، تتجمع النساء للمساعدة ويتنقلن من بيت إلى آخر، طيلة فصل الصيف، بمجرد الانتهاء من حصاد الحبوب بأنواعها، حيث تشرع النساء في عملية طحن القمح وتحويله إلى مواد غذائية، منها "الكسكسي" التقليدي ومختلف أنواع العجائن مثل "الشخشوخة" و«الثريدة" و«العَيْش".

«العولة" أيضا تتمثل في تخزين الطماطم المجففة، فبعد عملية جني الطماطم من الحقول، بعد نضجها في فصل الصيف، قديما ليس ببعيد، كانت ربات البيوت يقمن بعملية تشريح الطماطم وتقطيعها قطعا دائرية، ثم يضعن فوقها الملح، ويتم بسطها في صينية كبيرة تحت أشعة الشمس الحارة، لمدة أسبوع أو أكثر، ثم حفظها في القلال (قلة) والخوابي (خابية) الفخارية، وعند الحاجة، يتم طهي الطعام بهذه الطماطم المشرحة"، لكن هذه العادة اندثرت مع بروز المصانع التحويلية، فيما بقيت بعض العائلات تحتفظ بموروث الجدات.

كما تتنوع طرق التخزين وتختلف من منطقة إلى أخرى، وعملية الحفظ والتخزين لا تحتاج تدخل عمل بشري، على غرار الفلفل الذي يتم حرقه وعجنه في مناسبات مُستحقة، أو وضعه في الماء والخل والملح، واستعماله عند الحاجة، خاصة في فصل الشتاء، بما يعرف بالمخللات (الطرشي). عادة أخرى كانت تشتهر بها الأسر القالمية، وهي تحضير "الدهان"، فبعد مخض الحليب في "الشكوة"، يُستخرج اللبن والزبدة، وهذه الأخيرة يُضاف إليها الملح، ويتم تذويبها، ثم تُترَك حتى تُجمد، وتُخزن، ليتم استعمالها عند الحاجة.

ومن عادات ناس قالمة، في عيد الأضحى المبارك، وفي اليوم الثاني، بعد تقطيع الأضحية إلى أطراف، تقوم ربات البيوت بوضع كمية كبيرة من الملح على بعض القطع من اللحم، وتضعها تجف في الشمس لعدة أيام، ويصبح اللحم جافا وله ذوق لذيذ يسمى "القديد"، يتم استهلاكه في فصل الشتاء، بطهيه مع "العيش" و«الكسكسي"، وهذه العادة لا تزال إلى يومنا هذا، بالمقابل، كانت تقوم ربات البيوت بسكب زيت الزيتون على قطع من اللحم "الهبْرة"، بإضافة الملح والتوابل وتقليته، ثم وضعه في "الزير" وهو إناء فخاري كبير، ويوضع فوق اللحم، شحم ذائب، ثم يُحفظ في "الزير" الطيني، لمدة طويلة، واستعماله عند الحاجة، وله مذاق مميز ولذيذ جدا، لهذا يسمونه "خليع الزيت" أو "خليع الزير"، كما تقوم ربات البيوت وإلى يومنا هذا، بتخزين شحم الخروف بعد الذبح، واستعماله في "التقلية" لبعض الأكلات الشعبية، ومنها "المحاجب".

كما كان للبيت القالمي نكهة خاصة وتنوع كبير، يعتبر تراث الجدات، فكانت ربات البيوت عند تحضير طبق أو أكلة شعبية، يقمن بتحضير خليط من الثوم والتوابل والفلفل الحار، وطحنه باستعمال "المهراس" تسمى "الدَّرْسة"، التي تعطي نكهة خاصة ومذاقا لذيذا، تُخزن لمدة، ثم تستعمل عند الحاجة. الماء أيضا كان في برنامج "العولة"، فقد كانت النساء في قالمة، عند نزول المطر، خاصة في فصل الشتاء، تضع حاويات معدة لجمع ماء المطر، وإعادة استعماله في تنظيف الدار أو غسل الملابس، إلى جانب ذلك، يتم تخزين التمر وزيت الزيتون والكرموس (التين المجفف)، وغيرها.

وعلى رغم التطور الحاصل في المناطق الريفية الجزائرية، بصفة عامة، وفي المناطق الجبلية بقالمة، بصفة خاصة، والتي أصبحت تتوفر فيها كل متطلبات الحياة، إلا أن سكان هذه المناطق لا يزالون يعتمدون على مخزون "العولة"، التي تعتبر عادة لا يمكن التنازل عنها، فيما تعرف اندثارا ونسيانا في المدن، فهل يمكن أن تعود "العولة" إلى الأصل أمام التطور التكنولوجي الذي طغى على جميع مناحي الحياة بالاعتماد على الاستهلاك العصري وعلى الأسواق والمحلات التجارية الكبرى؟ امتثالا للمثل الشعبي القائل: "الجديد حبو ولقديم لا تفرط فيه"، فـ«العولة" ليست مجرد مؤونة محفوظة، بل هي جزء من ثقافة الشعور بالأمان والاستعداد للقادم.