حركة تجارية نشيطة بمدينة عنابة
العائلات تغزو المحلات بحثا عن الأسعار التنافسية
- 139
سميرة عوام
تحولت محلات مدينة عنابة، مؤخرا، وعلى رأسها تلك الممتدة على شارع “لاري قمبيطا”و “لا ري صولد” إضافة إلى الفضاءات التجارية والأزقة المجاورة، إلى مقصد رئيسي لمئات العائلات العنابية، التي خرجت بكثرة هذه الأيام للتبضع والتسوق قبل أيام قليلة من موعد الدخول المدرسي الجديد.
وتشهد هذه النقاط حركة غير عادية وازدحاما كبيرا من طرف الأولياء رفقة أطفالهم؛ بحثا عن محل يبيع ملابس وأدوات بسعر معقول يتناسب مع قدرتهم الشرائية التي أنهكتها مصاريف الصيف والمناسبات المتتالية. وفي جولة بين أزقة “لاري قمبيطا” يظهر جليا كيف تحاول العائلات البحث عن توازن صعب بين إرضاء رغبة الأبناء وتوفير الميزانية.
وتُعد المآزر المدرسية من أكثر التجهيزات طلبا في هذه الفترة؛ حيث تراوحت أسعار المئزر الواحد بين 600 دينار و1000 دينار جزائري بحسب كل مستوى دراسي، وعمر التلميذ، ونوعية القماش المستخدم في الخياطة. ورغم أن هذا السعر قد يراه البعض مناسبا إلا أنه يشكل عبءا ماليا كبيرا على العائلات التي تملك ثلاثة أو أربعة أطفال متمدرسين في نفس الوقت؛ ما يدفع الأب والأم للبحث الطويل قبل شراء أي قطعة.
ولم تقتصر التكاليف المرتفعة على المآزر فقط، بل امتدت لتشمل ملابس الأطفال بشكل لافت للأنظار؛ حيث شهدت أسعار كسوة الدخول المدرسي ارتفاعا كبيرا أرهق كاهل الأولياء. وتراوح سعر السروال الواحد لطفل في القسم التحضيري بين ألف وألفي دينار جزائري. وهو مبلغ يراه الكثير من الآباء مرتفعا بالنظر إلى سن الطفل الصغير.
أما بالنسبة للبنات فقد وصل سعر اللباس الخاص بهن إلى ثلاثة آلاف دينار أو أكثر للقطعة الواحدة، وهو ما جعل تجهيز طفل واحد يتطلب ميزانية مالية ضخمة تعادل جزءا كبيرا من الدخل الشهري للعائلة. ولجأ معظم أصحاب المحلات التجارية والتجار في هذه الشوارع، إلى تعليق لافتات كبيرة على أبواب محلاتهم كُتب عليها “الصولد” ؛ أي تنزيل وتخفيض أسعار الملابس.
ورغم أن هذه التخفيضات أتاحت وفرة كبيرة في الملابس المتنوعة، إلا أن المعاينة الميدانية وانطباعات الكثير من الأولياء تؤكد أن النوعية المعروضة في “الصولد” غير جيدة مقارنة بالملابس المعروضة في البازارات والمحلات الكبرى. فبينما توفر البازارات ملابس وتشكيلات ذات جودة عالية وتصاميم حديثة، إلا أن أسعارها المرتفعة جدا تجعلها بعيدة عن متناول العائلات بسيطة الدخل، وهو ما يجبر معظم المواطنين على الاكتفاء بالمحلات الشعبية في “لاري قممبيطا” ، وشراء ما هو متوفر وفق الميزانية المتاحة.
هذا التفاوت في الأسعار والجودة جعل التسوق مهمة شاقة ومتعبة للأولياء، الذين يضطرون للتنقل بين عدة محلات ومقارنة السلع والتفاوض مع التجار للوصول إلى أنسب سعر. وتفضل العديد من العائلات إعطاء الأولوية لشراء المآزر والأدوات الضرورية، وتأجيل شراء بعض الملابس الإضافية إلى وقت لاحق لتفادي الوقوع في أزمة مالية خانقة مع بداية العام الدراسي.
ولا يقتصر هذا النشاط التجاري المكثف على الجانب المالي فقط، بل يعكس أيضا حركة ونشاطا تجاريا مميزا يتكرر كل سنة؛ إذ تحرص العائلات رغم الضغوط وتدني القدرة الشرائية، على إدخال الفرحة والسرور على قلوب أطفالهم، وإشراكهم في اختيار ألوان مآزرهم وحقائبهم. فهذه التحضيرات تمنح الأطفال دفعة معنوية، وتجعلهم ينتظرون العودة إلى مقاعد الدراسة بشوق وحماس كبيرين.
وتتواصل هذه الحركة التجارية الدؤوبة من الصباح الباكر إلى ساعات متأخرة من الليل، حيث تبقى المحلات مفتوحة لاستقبال الزبائن وسط أجواء تجمع بين التعب والبهجة. وتأمل العائلات العنابية أن تستقر الأسعار أكثر في الأيام القادمة، وأن تكون السنة الدراسية الجديدة فاتحة خير ونجاح لكل أبنائهم المتمدرسين في جميع الأطوار التعليمية.
من جانب آخر، أرجع العديد من المواطنين والتجار، هذا الارتفاع الملحوظ في أسعار الملابس، إلى التعليمات الأخيرة التي وُجهت لمنع الباعة المتجولين؛ إذ كان هؤلاء يستغلون مثل هذه المناسبات لبيع مختلف السلع والملابس بأسعار منخفضة جدا مقارنة بتلك المعروضة في المحلات التجارية والبازارات؛ ما كان يخلق نوعا من التوازن، ويتيح خيارات أرخص للعائلات محدودة الدخل.
وقد أدى غياب هذه الفئة عن الأسواق إلى انفراد أصحاب المحلات بالزبائن، وزيادة حدة الغلاء. وفي المقابل، أدى انتهاء فصل الصيف وتراكم الملابس ذات النوعية الرديئة داخل المستودعات، إلى إرغام بعض أصحاب المحلات على تخفيض أسعارها المرتفعة تدريجيا، للتخلص من السلع المخزنة، وتفادي الخسائر المالية مع بداية الموسم الجديد.
وأمام هذه التحديات تظهر قيم التكافل الاجتماعي بين المواطنين في عنابة؛ حيث تنشط بعض الجمعيات والمبادرات الفردية لتوفير المآزر والحقائب المدرسية للأطفال اليتامى والمعوزين، لتوفير كل احتياجاتهم، محاولةً رسم البسمة على وجوه الجميع دون استثناء. وتبقى العودة المدرسية منافسة سنوية، تستدعي دائما تنظيم الأسواق، وضبط الأسعار؛ لحماية القدرة الشرائية للبسطاء.