تعكس حكاية التكيف مع لهيب الصيف

"الصمايم".. من حكمة الأجداد إلى دقة الأرصاد الجوية

"الصمايم".. من حكمة الأجداد إلى دقة الأرصاد الجوية
  • 254
نور الهدى بوطيبة نور الهدى بوطيبة

مع كل صيف، يعود الحديث عن "الصمايم"، تلك الأيام التي ارتبطت في الذاكرة الشعبية بأشد موجات الحر، حتى أصبحت أكثر من مجرد فترة مناخية، بل جزءًا من الموروث الثقافي الجزائري الذي أنتج عادات وسلوكيات توارثتها الأجيال. وبينما ينشغل كثيرون اليوم، بمتابعة درجات الحرارة ونشرات الأرصاد الجوية، يستحضر كبار السن زمنًا، كانت فيه الصمايم مدرسة في الصبر والتكيف ومحاولة التأقلم مع أيام الحر، حتى تمر بأقل الأضرار.

رغم أن هذا المصطلح لا يزال يتردد على ألسنة الجزائريين مع كل صيف، إلا أن كثيرين يجهلون معناه الحقيقي، ولا يعرفون أصل تسميته، ولا كيف كان الأجداد يحددون موعده، قبل ظهور وسائل الرصد الحديثة. فقد كانت "الصمايم" جزءًا من التقويم الشعبي الذي اعتمد على الخبرة المتوارثة ومراقبة الطبيعة، بينما أصبح تحديدها اليوم يتم وفق معايير علمية دقيقة، تعتمدها مصالح الأرصاد الجوية، من خلال متابعة الكتل الهوائية ودرجات الحرارة، وإصدار نشرات تحذيرية تساعد المواطنين على الوقاية من مخاطر الحر، بل وتحدد، على وجه التقريب، بداية تلك الموجة الشديدة ونهايتها.

ومنذ القدم، لم يكن الصيف في الجزائر مجرد فصل من فصول السنة، بل كان موسمًا له ملامحه الخاصة، وعاداته التي نسجها الإنسان من واقع معيشته. فكلما اشتدت حرارة الشمس، تغيرت تفاصيل الحياة اليومية، وتبدلت أوقات العمل، واختارت العائلات طرقًا خاصة لمواجهة الحر، حتى أصبحت بعض الفترات تحمل أسماءً راسخة في الذاكرة الشعبية، تتناقلها الأجيال كما تتناقل الأمثال والحكايات. ومن بين هذه الأسماء، بقيت "الصمايم" حاضرة في أحاديث الجزائريين، باعتبارها عنوانًا لأشد أيام الصيف حرارة، مثلما تشهده البلاد خلال هذه الأيام.

ورغم أن هذا المصطلح ما يزال يتردد كل عام مع ارتفاع درجات الحرارة، إلا أن كثيرين لا يعرفون أصله، ولا كيف كان الأجداد يحددون موعده قبل ظهور وسائل الرصد الحديثة، ولا كيف تحول اليوم من حسابات شعبية تعتمد على الخبرة والملاحظة إلى معطيات علمية دقيقة، تصدرها مصالح الأرصاد الجوية، وهو ما يجعل الصمايم أكثر من مجرد تسمية متداولة، بل جزءًا من تراث يعكس علاقة الجزائري بالبيئة وقدرته على التكيف معها.

حين يبلغ الحر أشده

عن هذا الموضوع، أوضح خبير التراث الشعبي، كمال خشين، أن "الصمايم" تعد من أبرز المصطلحات التي حفظها التقويم الشعبي الجزائري، وكانت تشير إلى الفترة التي يبلغ فيها الحر أشده، مضيفا أن أصل الكلمة يعود، في الموروث الشعبي، إلى أن "الصميم" يعني الشديد، أي الحر الشديد، وهناك من يرجعها إلى كلمة "السمائم"، وهي الرياح الحارة والجافة، لذلك التصق المصطلح بهذه الفترة التي كانت تعد الأصعب خلال فصل الصيف.

وأشار المتحدث، إلى أن الإنسان قديمًا لم يعتمد على رزنامة مكتوبة أو محطات لقياس درجات الحرارة، بل كان يستند إلى ما راكمه من خبرة عبر مئات السنين، فكان يراقب حركة الشمس، واتجاه الرياح، وجفاف الأرض، وتغير سلوك الحيوانات، ومواعيد نضج المحاصيل، ومن خلال هذه العلامات، كان يعرف اقتراب الصمايم، ويستعد لها قبل حلولها بأيام.

وأضاف المتحدث، أن التقويم الشعبي كان يعتبر الصمايم فترة تمتد نحو أربعين يوما، وهي المدة التي تعرف عادة بأقصى درجات الحرارة، مع اختلاف بسيط بين مناطق الجزائر، حسب طبيعة المناخ، وهو اختلاف طبيعي فرضته خصوصية كل منطقة. غير أن هذه الحسابات كانت تبقى تقريبية، إذ قد تتراوح أحيانًا بين ثلاثة أيام شديدة الحر، أو أسبوع، أو تمتد إلى أربعين يومًا، حسب المناخ وطبيعة المنطقة وجفافها أو رطوبتها. وكانت تلك الحسابات تستند إلى الملاحظة والتجربة، بينما تعتمد اليوم مصالح الأرصاد الجوية على محطات الرصد، وصور الأقمار الصناعية، والنماذج المناخية، ما يسمح بتحديد موجات الحر بدقة، وإصدار نشرات خاصة تنبه المواطنين قبل حدوثها.

وأكد كمال خشين أن الصمايم لم تكن، في نظر الأجداد، مناسبة للخوف، بل فترة تستوجب حسن التدبير، لذلك كانوا يغيرون نظام حياتهم بالكامل، فتنجز الأعمال مع ساعات الصباح الأولى، وتتوقف الحركة خلال الظهيرة، ثم تستأنف مع انخفاض درجات الحرارة مساءً. كما كانت البيوت تغلق نهارًا للمحافظة على برودتها، وتفتح ليلًا لدخول الهواء، ويحفظ الماء في الجرار الفخارية، بينما كان كثيرون يختارون النوم فوق أسطح المنازل أو في الساحات المفتوحة، هربًا من حرارة الغرف.

ولم تقتصر هذه الثقافة على حماية الإنسان فقط، بل شملت الحيوانات أيضًا، إذ كان توفير الماء للدواب والطيور من السلوكيات المتجذرة في المجتمع، يشدد محدثنا، إدراكًا بأن موجة الحر تمس جميع الكائنات. وهي قيم يرى المتحدث أنها لا تزال صالحة اليوم، خاصة مع تزايد المبادرات التي تدعو إلى وضع أوعية الماء في الأماكن العامة خلال فصل الصيف.

وأشار خشين، إلى أن التطور العلمي لم يلغ قيمة التراث الشعبي، بل جعله أكثر فائدة عندما يلتقي بالعلم. فبينما كانت الخبرة الشعبية تنبه الناس إلى اقتراب الصمايم، اعتمادًا على علامات الطبيعة، أصبحت الأرصاد الجوية توفر اليوم، معلومات دقيقة تساعد على الوقاية من مخاطر الحر، من خلال تجنب التعرض لأشعة الشمس خلال ساعات الذروة، والإكثار من شرب الماء، والعناية بكبار السن، والأطفال، وأصحاب الأمراض المزمنة، وهي إجراءات أصبحت ضرورة، في ظل التغيرات المناخية التي جعلت موجات الحر أكثر شدة وتكرارًا.

وأكد الخبير، أن موجة "الصمايم" ارتبطت كذلك، منذ القدم، بعادات غذائية خاصة، إذ كانت الأسر تفضل الوجبات الخفيفة، وتكثر من شرب الماء واللبن، وتعتمد على الفواكه الموسمية الغنية بالماء، مع تجنب الأعمال المجهدة في ساعات الذروة، وهي ممارسات أكدت الدراسات الحديثة فائدتها في الوقاية من الإجهاد الحراري، والحفاظ على توازن الجسم.

غير أن نمط الحياة تغير كثيرًا، يقول الخبير، فقد حلت أجهزة التكييف محل كثير من الوسائل التقليدية، واختفت بعض العادات التي كانت تجمع العائلات والجيران فوق الأسطح، وفي الساحات خلال الليالي الصيفية، كما فرضت وتيرة الحياة الحديثة على كثيرين، مواصلة العمل، رغم ارتفاع درجات الحرارة، وهو ما جعل العلاقة مع "الصمايم" تختلف عما كانت عليه قبل عقود.