في تفاصيل يومية مألوفة
"الصرف".. أزمة تُربك المعاملات البسيطة
- 133
نور الهدى بوطيبة
ترافق الفكة الصغيرة، أو ما يُعرف بـ«الصرف”، تفاصيل الحياة اليومية لدى المجتمع الجزائري، وتتحول في بعض الأحيان من معاملات بسيطة، إلى مواقف تتكرر في الأسواق ومحطات النقل والمخابز والصيدليات، وحتى في أبسط التعاملات التجارية. وبين قطع نقدية لا تتجاوز قيمتها القليلة، تنشأ مواقف قد تبدو عادية في ظاهرها، لكنها تحمل في طياتها قدرا من التوتر أحيانا، والحرج أحيانا أخرى، وقد تصل إلى الغضب والانفعال، وأحيانا لا تخلو من الطرافة. لتكشف بذلك جانبا خفيا من العلاقات اليومية بين البائع والمشتري، أو بين مقدم الخدمة والزبون. فالفكة لم تعد مجرد عملة معدنية صغيرة، بل أصبحت في كثير من الأحيان، عنصرا حاسما في إتمام عملية بسيطة، أو سببا في نقاش قصير قد يكون حادا، ويؤثر على مزاج الشخص من بداية يومه إلى نهايته.
تظهر هذه المشكلة بشكل أوضح، مع بداية الصباح، حين يخرج الناس لقضاء حاجياتهم أو التوجه إلى أعمالهم، فيجد كثير منهم أن رحلة البحث عن الفكة، قد بدأت حتى قبل الوصول إلى وجهتهم. وبين من يمد ورقة نقدية كبيرة ومن يرد بعبارة “لا يوجد الصرف”، تتكرر المشاهد نفسها يوميا في المحلات وسيارات الأجرة ونقاط البيع المختلفة، لتتحول قطع صغيرة من المال إلى طرف رئيسي في حوارات قصيرة، تختلط فيها الابتسامة بالضيق، والمجاملة بالاستياء، في واقع أصبح مألوفا لدى الجميع، ويفرض حضوره في أبسط تفاصيل الحياة.
بأحد الأسواق في بلدية باب الزوار، كان أحد الزبائن يحمل كيسا صغيرا من الخضر، وبعد أن قدم ورقة نقدية للبائع، توقف الحديث لوهلة، قبل أن يقول هذا الأخير، وهو يفتش بين النقود “لا توجد فكة”، مضيفا “إما أن تضيف شيئا آخر أو تعود للدفع لاحقا”.
وفي مخبزة قريبة من حي سكني، وقفت سيدة تنتظر دورها، وبعد أن دفعت ثمن الخبز، سألها البائع إن كانت تملك فكة بقيمة 5 دنانير، فردت بالنفي، واضطر لطلبها من بائع آخر، لإتمام العملية. أما في سيارة أجرة، فلم يكن المشهد مختلفا، بل يكاد يتكرر يوميا، حيث قدم شاب ورقة نقدية من فئة 1000 دينار، ليرد السائق بعد لحظة صمت، بأنه لا يملك الفكة، مطالبا الزبون بالنزول والبحث عنها، لتتحول لحظة عادية إلى نقاش حاد، تتبادل فيه الاتهامات حول من يتحمل مسؤولية توفير الصرف.
وخلال جولة استطلاعية مع عدد من المواطنين، أكد كثيرون أن مشكلة الفكة أصبحت جزءا من يومهم، فبعضهم يحرص على الاحتفاظ بقطع نقدية في الجيب أو الحقيبة، لتفادي الإحراج، فيما يجد آخرون أنفسهم في نقاشات متكررة مع الباعة أو سائقي الأجرة، بسبب غيابها. وتقول إحدى الموظفات، إنها تضطر أحيانا لشراء علكة أو قارورة ماء فقط للحصول على باقي “الصرف”، بينما يرى طالب جامعي، أن المشكلة لا تتعلق بقيمة المال، بقدر ما ترتبط بتكرار الموقف نفسه عدة مرات يوميا.
في المقابل، يرى التجار أن الأمر ليس دائما بأيديهم، حيث أكد صاحب محل مواد غذائية، أن المشكلة تبدأ منذ الساعات الأولى من الصباح، عندما يدفع معظم الزبائن أوراقا نقدية كبيرة مقابل سلع بسيطة، ومع مرور الوقت، تنفد الفكة، ليضطر التاجر إلى البحث عنها لدى محلات أخرى، أو اقتراح سلعة إضافية بدل الباقي. وأضاف أن بعض الزبائن يتفهمون الوضع، في حين يعتقد آخرون أن التاجر يتعمد الاحتفاظ بالباقي.
من جهتهم، يرى بعض سائقي سيارات الأجرة، أن نقص الفكة من أكثر المواقف التي تخلق سوء فهم مع الركاب، خاصة في أوقات الذروة، حيث يكون الوقت ضيقا للبحث عنها، وتكون الرحلات متتالية، ما يجعل السائق يبدأ يومه بالبحث عن الفكة، قبل البحث عن الزبائن.
أزمة تعكس خللا في تداول النقود
في هذا السياق، أوضح عصام حسناوي، دكتور في الاقتصاد، أن أزمة الفكة الصغيرة لا تُعد مجرد مشكلة فردية، بل ترتبط بطريقة تداول النقود داخل المجتمع، خاصة مع ضعف عودة القطع النقدية إلى الدورة الطبيعية في السوق. وأضاف أن كثيرا من الناس يحتفظون بهذه القطع في المنازل أو السيارات أو المحافظ، لفترات طويلة، بل إن البعض يدخرها في “الحصالة”، ما يقلل من توفرها في نقاط البيع والخدمات.
وأشار إلى أن هذه المعاملات اليومية البسيطة، تكشف أهمية التنظيم النقدي حتى في أدق التفاصيل، مؤكدا أن توفير الفكة من مهام التاجر أو مقدم الخدمة، غير أن تسهيل العملية يتطلب أيضا وعيا من الزبون، وتفكيرا مسبقا لتفادي الوصول إلى مرحلة “عدم توفر الصرف”، بما يضمن انسيابية المعاملات اليومية، ويحد من التوترات المتكررة.