الحلويات الجافة لفطور صباح عيد الأضحى
الشواء والكسكسي يتربعان على موائد عنابة
- 119
سميرة عوام
تستقبل العائلات العنابية "العيد الكبير"، بأجواء يطبعها التمسك الوثيق بالعادات والتقاليد المتوارثة، التي توازن بين قدسية الشعيرة الدينية والبساطة الممتدة حسب خصوصية كل منطقة، وتأخذ التحضيرات في مدينة عنابة طابعا استثنائيا، يركز بالأساس على تلبية المتطلبات الجوهرية للمناسبة، بعيدا عن المظاهر والتباهي التي تشهدها مناسبات دينية أخرى، كعيد الفطر، مما يمنح هذه الأيام في "بونة" نكهة مميزة، تجمع بين صلة الرحم والتضامن العائلي وبهجة الصغار.
تفتتح ربات البيوت التجهيزات، بحملات تنظيف واسعة، وترتيب شامل لكل ركن من أركان المنزل، حيث تحرص النساء العنابيات، على استقبال العيد في أبهى حلة، من خلال تجديد الستائر، وإعادة تنسيق الأثاث، وتحضير مستلزمات الصالون واقتناء البخور الفاخر لتعطير الأجواء وخلق فضاء عائلي لاستقبال الضيوف والزوار من الأقارب والجيران.
وفي سياق متصل، تتزين طاولات صبيحة العيد، بتشكيلات بسيطة من الحلويات الجافة والتقليدية، التي تتناسب وخصوصية فطور الصباح الأول، حيث يبرز "الكروكي" وهشاشته، و«كعك النقاش" و«المنقوش" كقواسم مشتركة ثابتة لا يخلو منها أي بيت عنابي. وتتميز هذه الحلويات بعبقها الفواح الناتج عن استخدام المنكهات الطبيعية وماء الزهر المقطر التقليدي، فيما يتم الاستغناء شبه الكلي عن الحلويات الفاخرة المصنوعة من المكسرات، كالجوز واللوز؛ وهو التوجه الذكي الذي تتماشى معه محلات بيع الحلويات التقليدية بالولاية، والتي تركز نشاطها التجاري في هذه الفترة، على المنتجات الجافة واليومية سريعة الهضم، وتتلائم وأطباق اللحم.
يرجع سكان عنابة، هذا الخيار الثقافي، إلى قناعة راسخة بأن "العيد الكبير" هو عيد للحم والشواء بامتياز، مما يجعل بقية اللواحق والحلويات المتنوعة خارج دائرة اهتمامهم. وبناء على هذا التصور، تعرف الأسواق المحلية والساحات الحركية الأكبر في اقتناء المستلزمات المباشرة لمعالجة الأضحية، بداية من السكاكين بمختلف أحجامها، السواطير، ولوحات التقطيع الخشبية السميكة، وصولا إلى شحن وتوفير الخضر الموسمية والأساسية في الأسواق اليومية، والتي تتلاءم مع طبيعة الأطباق المصنوعة من اللحم في هذه الأيام، مثل البصل والثوم والكزبرة والخضر.
وعلى صعيد المشتريات أيضا، تحرص العائلات على إدخال البهجة في قلوب الأطفال، من خلال شراء ألبسة جديدة تتناسب مع خصوصية موسم الصيف وحرارته المرتفعة بالمنطقة، وهي ملابس عادية ومريحة في مجملها وخفيفة الوزن، لكنها تفي تماما بغرض صناعة فرحة العيد لدى الصغار، وتسمح لهم باللعب والجري.
تتسم الهوية المطبخية العنابية بشكل مختلف، يظهر في الطريقة التي تُدبر بها مائدة العيد خلال اليومين الأولين؛ ففي اليوم الأول، ينصرف الجميع عقب الانتهاء من عملية نحر الأضاحي وتنظيف المكان، إلى تحضير الشواء على الفحم، حيث تجتمع العائلة حول المشواة في أسطح المنازل أو الشرفات، وسط أجواء احتفالية حميمية، تمتزج فيها روائح الشواء بضحكات الأطفال.
أما في اليوم الثاني من العيد، فيتم تحضير أطباق تقليدية، منها طبق "الكسكسي المحور" العنابي الأصيل؛ وهو طبق فاخر وعريق، يُعد بمرق أبيض، دون استخدام أي نوع من الخضر، حيث يتم التركيز فيه حصريا على قطع اللحم الوفيرة الطازجة والحمص وحبات الكفتة، ليقدم شهادة حية على عمق المطبخ البوني وطريقته الاستثنائية في الاحتفاء ببركة العيد الكبير واستقبال الضيوف.