لحظة تهوُّر بسيطة قد تنتهي بفاجعة
السلامة المرورية.. ثقافة ومسؤولية قبل الالتزام بالقانون
- 171
نور الهدى بوطيبة
مع حلول موسم العطل تتغير وتيرة الحياة وسط المجتمع الجزائري بين عطل مدرسية وعطل سنوية للعمال، تعج حينها الطرقات بمسافرين يبحثون عن الراحة وقضاء أوقات ممتعة مع العائلة والأصدقاء، إذ تتحول الطرق الى فضاء يعكس سلوكيات مختلفة بين من يلتزم بقواعد السير ومن يتعامل معها باستخفاف. وقد تكون عواقبه وخيمة. وفي كل سنة تتجدد الدعوات الى ترسيخ ثقافة السلامة المرورية؛ باعتبارها مسؤولية جماعية لا تقتصر على الجهات المختصة وحدها، بل تمتد الى كل سائق، وراكب، ومستعمل للطريق؛ فالحوادث ليست صدفة، وإنما هي في كثير من الحالات نتيجة أخطاء يمكن تجنُّبها بالوعي، والانضباط، واحترام القانون، لذلك تبقى الوقاية هي الخطوة الأولى نحو حماية الأرواح، والحفاظ على سلامة الجميع، خاصة في الفترات التي تعرف كثافة في التنقلات، وارتفاعا في عدد المركبات على مختلف المحاور والطرق بأنواعها.
تزداد أهمية هذا الموضوع مع ارتفاع درجات الحرارة، وكثرة الرحلات الطويلة خلال فصل الصيف سواء للتخييم في الغابات، أو التنقل نحو الشواطئ من ولاية لأخرى، أو حتى التوجه نحو كراء منازل؛ هروبا من الحر الشديد، حيث يجد كثير من السائقين أنفسهم أمام ظروف قيادة مختلفة، تتطلب تركيزا أكبر، واستعدادا أفضل؛ فالإرهاق والعطش والسرعة المفرطة واستعمال الهاتف أثناء القيادة، كلها عوامل قد تحوّل رحلة عائلية عادية، الى حادث مؤلم، ولهذا تتواصل جهود مختلف المصالح الأمنية والحماية المدنية وكذا الجمعيات الفاعلة في التوعية والتحسيس حول أمن الطرقات، في نشر ثقافة الوقاية، وتوعية المواطنين بالسلوكيات الصحيحة، التي تجعل الطريق أكثر أمنا للجميع.
وفي هذا الإطار كان لـ«المساء” حديث مع سليم داودي، عضو بجمعية طريقي، الذي أكد أن الوقاية تبقى دائما أفضل وسيلة لتجنب المآسي التي تخلفها حوادث المرور.
وأوضح داودي في حديثه مع “المساء” أن موسم العطل يشهد غالبا ارتفاعا في حركة السير؛ بسبب تنقّل العائلات نحو الولايات الساحلية، والمناطق السياحية، وزيارة الأقارب أو فقط للتجول، وهو ما يفرض على السائق التحلي بمزيد من الصبر والانتباه، مؤكدا أن كثيرا من التدخلات التي تقوم بها فرق الحماية المدنية كان يمكن تفاديها لو احترم السائقون قواعد المرور الأساسية. وقال إن السرعة تبقى من بين أكثر الأسباب المؤدية الى الحوادث الخطيرة، لأنها تقلل من قدرة السائق على التحكم في المركبة، وتزيد من مسافة التوقف عند حدوث أي طارئ. كما إن التجاوزات الخطيرة وعدم ترك مسافة أمان كافية بين المركبات، يؤديان في كثير من الأحيان الى اصطدامات متسلسلة، تكون نتائجها وخيمة.
ولم تعد حوادث المرور في الجزائر مجرد أرقام تضاف الى سجلات المرور، يضيف المحدث، بل تحولت الى مآس إنسانية، تترك جراحا عميقة في قلوب العائلات والمجتمع كافة؛ فما عاشته الجزائر قبل أيام إثر كارثة بومرداس التي أودت بحياة عدد معتبر من الراكبين ناهيك عن المصابين بعد سقوط حافلة لنقل المسافرين في منحدر، أعاد الى الأذهان فاجعة وادي الحراش خلال السنة الماضية، حين انتهت رحلة عادية بسقوط حافلة في الوادي، مخلفة 18 ضحية، وعددا من الجرحى. وأضاف أنه في الحادثتين تكررت المشاهد نفسها؛ صرخات استغاثة، وعائلات تنتظر خبر فقيدها، وأعوان الحماية المدنية يسابقون الزمن وسط ظروف صعبة لإنقاذ من يمكن إنقاذه. وهي صور موجعة عاشها المجتمع كافة، وهذا دليل على أن الطريق لا يرحم لحظة استهتار واحدة، وأن كل مخالفة لقانون المرور قد تتحول في ثوان، الى فاجعة تمزق أسرا بكاملها، وتخلّف حزنا لا ينتهي.
وقال داودي إن التعب عدو خفيّ للسائق، خاصة خلال الرحلات الطويلة؛ إذ يعتقد البعض أن بإمكانهم مواصلة القيادة لساعات متواصلة دون راحة أو بعد نوم قليل، بينما تؤكد الدراسات أن الإرهاق يقلل من سرعة رد الفعل، ويؤثر على التركيز بدرجة قد تشبه تأثير بعض المواد المخدرة التي تضعف اليقظة، ولهذا يُنصح بالتوقف لأخذ قسط من الراحة بشكل دوري، مع تجنب الانطلاق في رحلة طويلة بعد يوم عمل شاق، أو في أوقات يشعر فيها السائق بالنعاس أو بعد نوم قليل؛ لأن دقائق قليلة من الراحة قد تكون سببا في إنقاذ حياة كاملة.
فحص المركبة بشكل دوري ضرورة
شدد محدث “المساء” على ضرورة التأكد من الحالة التقنية للمركبة قبل السفر، وذلك بفحص المكابح، والإطارات، ومستوى الزيوت، ووسائل التبريد، والإنارة، لأن الأعطال المفاجئة قد تعرض السائق والركاب ومستعملي الطريق، للخطر في ظل ارتفاع درجات الحرارة التي قد تؤثر على بعض الأجزاء الميكانيكية إذا لم تكن في حال جيدة. وأشار الى أن حمل الأمتعة يجب أن يكون بطريقة منظمة دون تجاوز الحمولة المسموح بها، مع تثبيت الأغراض بشكل جيد؛ حتى لا تعيق الرؤية، أو تتسبب في فقدان توازن المركبة. وأكد المتحدث على استعمال حزام الأمان، وعدم استعمال الهاتف النقال، وهما من أبسط وسائل الوقاية، وأكثرها فعالية سواء بالنسبة للسائق أو لجميع الركاب. كما إن الأطفال يجب أن يوضعوا في المقاعد المخصصة لأعمارهم وأحجامهم، لأن حمل الطفل في الحضن أو تركه يتحرك داخل المركبة أثناء السير قد يعرضه لخطر كبير عند وقوع أي حادث، أو حتى عند التوقف المفاجئ، مضيفا أن احترام هذه التدابير البسيطة يساهم، بشكل كبير، في التقليل من الإصابات الخطيرة.
ولفت عضو الجمعية الى أن استعمال الهاتف النقال أثناء القيادة أصبح من السلوكيات المنتشرة التي تشكل خطرا حقيقيا في الطريق، فمجرد النظر الى شاشة الهاتف لبضع ثوان قد يحرم السائق من ملاحظة مركبة متوقفة، أو شخص يعبر الطريق، أو تغير مفاجئ في حركة السير، لذلك يُنصح بترك الهاتف جانبا، وعدم الرد على المكالمات أو الرسائل إلا بعد التوقف في مكان آمن. كما دعا مستعملي الطريق الى التحلي بالأخلاق، والاحترام المتبادَل؛ فالقيادة ليست منافسة بين السائقين، على حد تعبيره، وإنما هي مسؤولية تتطلب التعاون والتسامح، واحترام الأولوية والإشارات المرورية، وتجنب ردود الفعل الغاضبة، التي قد تؤدي الى تصرفات متهورة، مؤكدا أن كثيرا من الحوادث تنطلق من لحظة انفعال أو محاولة إثبات الأسبقية دون مبرر.