في قيظ الصيف

الرفق بالحيوان امتحان لإنسانيتنا

الرفق بالحيوان امتحان لإنسانيتنا
  • 156
نور الهدى بوطيبة نور الهدى بوطيبة

ترتفع درجات الحرارة خلال هذه الأيام، إلى مستويات غير مسبوقة، وتزداد معها الحاجة إلى التكيف مع الظروف المناخية الصعبة، غير أن الحديث عن موجات الحر، غالبًا ما يقتصر على تأثيرها في الإنسان، بينما تغيب معاناة كائنات أخرى، تشاركه الفضاء نفسه. فالحيوانات التي تعيش في الشوارع أو في المزارع، أو حتى داخل المنازل، تواجه هي الأخرى ظروفا قاسية، وتبحث عن قطرة ماء أو مكان مظلل يحميها من أشعة الشمس الحارقة.

في السنوات الأخيرة، بدأ الوعي بهذه القضية يتوسع تدريجيا، بعدما أصبح العديد من المواطنين يضعون أوعية الماء أمام منازلهم ومحلاتهم، ويقدمون الطعام للحيوانات، ويوفرون لها أماكن بسيطة تحتمي فيها من الحر، في مشاهد تعكس قيمًا إنسانية، قبل أن تكون مجرد تصرفات عابرة. ولا تقتصر هذه المبادرات على تقديم المساعدة للحيوانات، بل تعبر عن ثقافة اجتماعية، تقوم على الرحمة والمسؤولية تجاه كل الكائنات الحية، خاصة في ظل التغيرات المناخية التي جعلت فصل الصيف أكثر حرارة من السابق، وهو ما يزيد من حاجة الحيوانات إلى الرعاية، سواء كانت حيوانات أليفة أو ضالة.

وللوقوف عند أهمية هذه السلوكيات، ومدى تأثير موجات الحر على الحيوانات هي الأخرى، تحدثت الطبيبة البيطرية نهاد، عن أبرز المخاطر التي تواجهها، وكيف يمكن للمواطنين المساهمة في حمايتها بوسائل بسيطة، لكنها فعالة. وأوضحت أن الحيوانات تتأثر بدرجات الحرارة المرتفعة، مثلها مثل الإنسان، بل إن بعضها يكون أكثر عرضة للخطر؛ لأنها لا تستطيع التعبير عن معاناتها أو البحث بسهولة عن وسائل تحميها من الحر، مشيرة إلى أن الحيوانات الضالة، تُعد الأكثر تضررًا؛ لأنها تقضي ساعات طويلة تحت أشعة الشمس، وقد لا تجد ماء أو مكانا باردا تلجأ إليه، وهو ما قد يؤدي إلى الجفاف والإجهاد الحراري، وفي بعض الحالات قد يتسبب في نفوقها.

وأضافت المتحدثة، أن كثيرًا من الأشخاص يعتقدون أن الحيوانات قادرة دائمًا على تحمل الظروف المناخية، غير أن هذا الاعتقاد غير صحيح، فارتفاع حرارة الجو ينعكس مباشرة على وظائف الجسم، وقد يؤدي إلى ارتفاع حرارة الحيوان بشكل خطير، خاصة لدى الكلاب والقطط والطيور. كما أن الحيوانات المسنة والصغيرة، أو التي تعاني أمراضا مزمنة، تكون أكثر حساسية لموجات الحر.

وأكدت  البيطرية أن بعض العلامات تستوجب التدخل السريع، من بينها اللهاث الشديد، والخمول، وفقدان التوازن، ورفض الحركة، وجفاف الفم، وتسارع نبضات القلب، وحتى عدم الرغبة في الأكل، وهي مؤشرات تدل على تعرض الحيوان لإجهاد حراري قد يتطور إذا لم يتم نقله إلى مكان بارد، وتقديم الماء له بشكل تدريجي، مع ضرورة عرضه على طبيب بيطري عند استمرار الأعراض.

الطعام يساعد على مقاومة الإجهاد

وترى المتحدثة، أن أبسط المبادرات التي يقوم بها المواطنون، يمكن أن تنقذ حياة الكثير من الحيوانات، مثل وضع أوعية ماء نظيفة في أماكن مظللة أمام المنازل أو المحلات، ووسط الغابات، وحتى على الشواطئ والحدائق، مع تجديدها يوميًا، إن أمكن ذلك؛ لأن الماء الموضوع تحت أشعة الشمس يفقد فائدته بسرعة. كما أن تقديم كميات مناسبة من الطعام يساعد الحيوانات على مقاومة الإجهاد، خاصة تلك التي تعيش في الشوارع والبعيدة عن السكنات، إذ تعاني صعوبة الحصول على الغذاء خلال الأيام شديدة الحرارة.

وأشارت الطبيبة البيطرية إلى أن توفير مكان بسيط يحتمي فيه الحيوان من الشمس، قد يكون أكثر أهمية من الطعام أحيانًا، مؤكدة أن قطعة كرتون، أو زاوية مظللة قرب منزل أو حديقة، قد توفر للحيوان فرصة لتجنب أشعة الشمس المباشرة، وتقلل من احتمال تعرضه لضربة حر. كما دعت أصحاب الحيوانات الأليفة إلى تجنب إخراجها في ساعات الظهيرة، والحرص على توفير الماء لها باستمرار، وعدم تركها داخل السيارات المغلقة، ولو لدقائق معدودة؛ لأن درجة الحرارة داخل المركبة ترتفع بسرعة كبيرة وتشكل خطرًا حقيقيًا على حياتها. وأضافت أن الطيور هي الأخرى، تتأثر بشدة خلال الصيف، لذلك يمكن وضع أوعية ماء صغيرة في الشرفات أو الحدائق أو فوق الأسطح، مع تنظيفها باستمرار؛ لأنها تسمح للطيور بالشرب وتبريد أجسامها. كما أن الحفاظ على الأشجار والمساحات الخضراء، يساهم في توفير أماكن طبيعية تلجأ إليها الطيور والحيوانات، هربًا من الحر.

وترى الطبيبة البيطرية، أن انتشار هذه المبادرات خلال السنوات الأخيرة، يعد مؤشرًا إيجابيًا على تطور الوعي المجتمعي، بعدما أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي تنقل صورًا وفيديوهات لمواطنين يضعون الماء والطعام للحيوانات، وآخرين يسمحون، مثلًا، للقطط بدخول محلاتهم المكيفة، ويشجعون غيرهم على القيام بالسلوك نفسه، معتبرة أن هذه الأفعال البسيطة تزرع قيم الرحمة والتعاون داخل المجتمع، وتعلم الأطفال منذ الصغر، احترام الكائنات الحية والشعور بالمسؤولية تجاهها. وشددت على أن الرفق بالحيوانات لا يرتبط بمواسم الحر فقط، بل يجب أن يكون سلوكًا يوميًا وثقافة راسخة؛ لأن معاملة الحيوان بطريقة إنسانية تعكس أخلاق المجتمع ومستوى وعي أفراده، وهي سلوكيات يتسم بها المسلم، لأن ديننا الحنيف أوصى بالرأفة بالحيوانات، ونحن أولى بالامتثال لتلك القيم النبيلة، ورحمة هذه المخلوقات الضعيفة.