ركن أساسي لا يكتمل العرس بدونه
"الدلالة العنابية" شاهد حي على عظمة الأصالة
- 584
سميرة عوام
تحتفظ الذاكرة الشعبية لمدينة عنابة، الممتدة في أعماق التاريخ، بأسرار أصالتها التي تشكلت عبر مئات السنين، متميزة بهوية تراثية فريدة، تماشت مع عدة حضارات متعاقبة مرت على هذه الأرض، كالفينيقيين والنوميديين والحفصيين.
ويتجلى هذا الإرث العريق في "الدلالة العنابية"، التي تصنف كأقدم زي تقليدي متكامل في الشرق الجزائري؛ حيث نشأ هذا اللباس في مدينة بونة، ليرمز إلى الفخامة والرقي، ويعكس الهوية الحقيقية للمرأة العنابية. وقديما، كان يشكل اللباس اليومي لنساء المدينة، قبل أن يتحول بفعل التطور الذي حصل داخل البيوت العنابية، إلى زينة تقتصر على الأعراس والمناسبات الكبرى، ليعطي العروس هيبة خاصة، ويجعلها ملكة متوجة في يوم حنتها، قبل أن تزف لزوجها.
تتكامل الدلالة العنابية كتراث مجتمعي حي، يروي فصولا من تاريخ وحضارة المنطقة، من خلال قطع متناسقة، تشمل "قندورة الفتلة العنابية" الشهيرة، و"القاط" أو "القفطان"، فضلا عن "شاشية السلطاني"، "الدوخيلة"، "القوفية"، "الكمام"، "التسريحة" و"فراش الذهب"، مصحوبة بـ"الحلى الخاص بالمدينة". ولم يكن لهذا الزي أن يحافظ على تفاصيله الدقيقة، وهو يتنقل عبر الأجيال، لولا وجود "الماشطة" التقليدية؛ وهي الحرفية المسؤولة عن إلباس وتزيين العروس العنابية، والإشراف على تفاصيل "التصديرة" الفريدة، التي تُميز بنات بونة عن بقية ولايات الوطن.
جذور "الدلالة" وتفاصيل الزي الملكي
تعود حكاية سكان بونة مع الماشطة إلى سنة 1830، عندما زُفت أول عروس عنابية وزُينت كأميرة، بعد أن استقدم والدها امرأة مسنة من المدينة، أبدعت في وضع التاج والدلالة ولواحقها الجميلة، التي كانت تستعمل قديما في حفلات الختان والأعراس. وعند تقديم العروس أمام المدعوين، تفاجأ الجميع بالجمال التقليدي الساحر، الذي منح العروس العنابية لمسة ملكية غير مسبوقة، لتدخل هذه الحرفة منذ ذلك الوقت، ضمن ضروريات الأعراس العنابية، ورغم تكاليفها المرتفعة التي قد تصل إلى 18 مليون سنتيم، حسب الألوان والتبديلات والموسم، إلا أنها تظل ركنا أساسيا لا يكتمل العرس العنابي بدونه.
وفي يوم العرس وحضور كل العائلة والجيران، تتجلى ذروة عمل الماشطة العنابية، من خلال طقس "السبع قنادر"، وهو العرض التقليدي المهيب الذي تمر فيه العروس أمام الحاضرين بسبع بدلات مختلفة، تعكس تنوع وثراء اللباس الجزائري. وتفتتح الماشطة هذا الاستعراض المميز بـ«القندورة العنابية” الأصيلة ذات اللون العنابي "القاني" الساحر، والمطرزة بخيوط المجبود والفتلة الذهبية، لتضفي على العروس سحرا ملكيا عتيقا يحبس الأنفاس.
تتولى الماشطة، بحسها الفني العالي، مساعدة العروس في تبديل هذه القنادر السبع تباعا، وسط زغاريد النسوة ورقصاتهن خلال يوم الفرح؛ فتتنقل العروس بين ألوان الصيف الأكثر حضورا، كالأزرق الملكي، البنفسجي والأصفر الفاقع، إلى جانب الملحفة والشاوية والوشاح الذهبي والفضي، وصولا إلى فساتين من ولايات أخرى، كالتلمساني والجبادور، وحتى من التراث التونسي الجار. وتعتبر الماشطة، المهندسة الحقيقية لهذه اللوحة المتحركة؛ إذ تسهر على ضبط تفاصيل كل "قندورة"، وتغيير قطع المجوهرات والحلي المناسبة لكل لباس، ما يجعل “التصديرة” رحلة بصرية ساحرة، تروي تاريخ الأناقة في بونة.
التجدد والتمسك في مواجهة العصرنة
تؤكد الحرفيات القدامى، وفي مقدمتهن “الماشطة زبيدة”، أن مهنة الماشطة ليست مجرد عمل تجاري أو مهنة حلاقة عادية للربح السريع، بل فن نابع من الأصالة، يتطلب حسا ذوقيا خاصا وفهما عميقا للتقاليد؛ إذ تتولى الماشطة تصفيف شعر العروس، وتنسيق الألوان والأكسسورات والمجوهرات الثمينة، المصنوعة من الفضة أو البرونز الأصفر بدقة متناهية، تناسب ملامح العروس وتبرز هيبتها.
في ليلة العرس، تشرف الماشطة على إخراج العروس في أبهى حلة، من خلال ارتداء تلك البدلات التقليدية التي تبدأ بـ"القندورة" المطرزة بـ"المجبود” أو "الفتلة" والمعروفة في الشرق بـ"الكوكتال"، مع وضع "اللفة" و"السوالف"، وهي جدائل الشعر الطويلة التي تمنح العروس لمسة جمالية أخاذة، ليأتي "الحرقوس" ورسم "الحناء" كآخر محطة في تزيينها، وإعلان جاهزيتها لبيت زوجها.
ورغم التطور العصري وبروز صالونات الحلاقة الحديثة والأكسسورات المعاصرة، وسلسلة مستحضرات التجميل المستوردة، ما تزال العائلات العنابية متمسكة بخدمات الماشطة التقليدية، لضمان التوافق مع متطلبات التقاليد المحلية، التي لا تغني عنها صرعات الموضة. وقد شهدت هذه الحرفة تجدداً مرناً يواكب أذواق العرائس الحديثة، عبر إدخال ألوان صيفية زاهية على "القندورة" و"الملحفة" والوشاح الفضي والذهبي، مع دمج ألبسة من التراث الجزائري، كالتلمساني واللفة الشاوية زاهية الألوان، وحتى من الجارة تونس، فضلاً عن وضع "الجبين" و"السخاب" و"الجبادور" فوق "قندورة الفتلة" العتيقة.
إن هذا التمسك الشعبي المستمر بالماشطة ومستلزماتها الحرفية، يبرهن على وعي المجتمع العنابي بأهمية حماية موروثه غير المادي، ويضمن بقاء الدلالة العنابية كشاهد حي على عظمة الأصالة العنابية، وحصنا منيعا يحمي الهوية الثقافية للمدينة من الزوال والاندثار، أمام ظهور اللباس العصري الذي أدخل عليه هو الآخر، بعض التطريزات القديمة.