الحمّامات التقليدية بقسنطينة في طريق الاندثار
السيد عمر عرعرية، عضو في جمعية أصدقاء متحف سيرتا
  • القراءات: 296
زبير زهاني زبير زهاني

رغم أهميتها الصحية والاجتماعية

الحمّامات التقليدية بقسنطينة في طريق الاندثار

الطاسة والكافتيرة، الفنيق، الوجاق، الفرناق، البزيم والبيت السخون وبيت العرايس، هي مفردات انقرضت من قاموس الجيل الجديد، الذي بات لا يفقه شيئا عن الحمامات التقليدية التي كانت منتشرة عبر مختلف الأزقة والشوارع، خاصة مع توجه هذه الحمامات إلى الزوال بفعل الزمن من جهة، وبفعل الإهمال والنسيان من جهة أخرى، بعد شهود عدد الحمامات التقليدية بمدينة قسنطينة، تراجعا رهيبا، خاصة في السنوات الأخيرة، إثر تخلي عدد كبير من القسنطينيين عن عادة الذهاب إلى هذه الأماكن التي كان يقصدها الناس في مختلف المناسبات، وخاصة خلال حفلات الأعراس، أو عند العودة من سفر طويل، أو لمن يبحث عن راحة نفسية واسترخاء للعضلات.

وقد أثر انتشار المسابح والحمامات العصرية في شكل "الدوش"، على إقبال الناس على الحمامات التي تروي قصصا كثيرة، وكان لها بعد اجتماعي هام وسط المجتمعات العربية، ومنها المجتمع المحلي بعاصمة الشرق الجزائري، فكانت تُستعمل للغسل والطهارة في النهار، وللمبيت في الليل بالنسبة للأشخاص الفقراء والمعوزين وكذا عابري السبيل. 

من أصل 20 حمّاما تقليديا لم يبق سوى ثلاثة وسط المدينة

كشف السيد عمر عرعرية، عضو في جمعية أصدقاء متحف سيرتا وأحد المهتمين بمعالم قسنطينة التاريخية، أن مدينة قسنطينة كانت في وقت مضى، تضم أكثر من 20 حماما منتشرة عبر شوارع وأزقة المدينة القديمة، ويقصدها المئات إن لم نقل الآلاف أسبوعيا من داخل المدينة ومن خارجها، لكن هذا العدد تقلص بشكل كبير في ظل التطور والعصرنة، ولم يبق سوى 3 حمامات تصارع البقاء، مع جيل جديد نشأ بعيدا عن ثقافة الحمام التقليدي. وحسب محدثنا الذي شغل لأكثر من 40 سنة في مهنة "الكياس"، عبر عدد من حمامات وسط مدينة قسنطينة، فإن الحمامات التي مازالت فاتحة أبوابها للزبائن بالمدينة القديمة، هي حمّام بلبجاوي بحي صلاحي الطاهر (سيدي بوعنابة) بوسط المدينة، وحمام قادري الموجود بشارع ملاح سليمان (الشط) بالقرب من مقهى النجمة، وحمام دقوج الموجود بشارع طاطاش بلقاسم (الشارع).

أما الحمامات المشهورة والتي أغلقت لسبب أو لآخر، فهي حمام سوق الغزل بشارع ديدوش مراد أسفل قصر الباي، الذي يعود للحقبة العثمانية، وحمام بن نعمان للإخوة مصباح بسيدي بوعنابة، وكذا حمام بوقفة لصاحبه بشتارزي محمد الشريف برحبة الصوف والقريب من زاوية سيدي عبد الرحمان، وحمام المزابي لصاحبه الحاج موسى بشارع ديدوش مراد (شارع فرنسا ساقا)، إلى جانب حمام بلحاج مصطفى لصاحبه بن قاجة مسعود بشارع ملاح سليمان (الشط)، وحمام بنت السلطان الذي كان يقع في القصبة، والذي يعود إلى الحقبة العثمانية، وقد اندثر تماما، إلى جانب حمام بن شريف لصاحبيه بن شريف وبن طوبل الواقع بالبطحة بالمخرج العلوي للسويقة، والقريب من الزاوية التيجانية، وحمام البطحة لصاحبه عمي ابراهيم في بطحة أولاد سيدي الشيخ القريب من معهد الشيخ ابن باديس، وحمام سيدي راشد لصاحبه أوعشت الذي يقع أسفل جسر سيدي راشد بالجهة السفلى للسويقة بمحاذاة مسجد سيدي عفان ودار الدايخة، وحمام بن طوبال الذي يعود للفترة العثمانية، والذي يقع بمنطقة السيدة بالسويقة، والذي تهدم تماما.

كما تطرق المتحدث لحمام بن ناصف في الرصيف، الذي بني في العهد الاستعماري، والذي تم تحويله إلى بزار (محل تجاري) رغم معارضة سكان المنطقة ومحبي التراث. ونفس الشيء مع حمام الدروج لصاحبه مبروك، أسفل رحبة الجمال، الذي تحوّل أيضا إلى بازار، وحمام المدرسة الذي شُيد في الفترة العثمانية، والواقع بشارع الأربعين الشريف؛ شأنه شأن حمام بولبزايم، بالإضافة إلى حمام صالح باي الذي يعود إلى الحقبة العثمانية، والذي تم تشيده في حدود 1771 خارج أسوار المدينة القديمة، وبالضبط بمنطقة صالح باي حالي (الغراب)، الذي عرف إهمالا كبيرا، ولم يبق منه إلا بعض الحجارة الشاهدة على حضارة غابرة.

وحسب السيد عمر عرعرية، فإن هناك بعض الحمامات التي كانت لها خصوصية، على غرار حمام بلبجاوي بسيدي بوعنابة الذي بني في فترة أحمد باي، وحمام بن نعمان أيضا الواقع بنفس المكان، والذي اشتراه صاحبه سنة 1902. وتتمثل الخصوصية في كون هذه الحمامات تملك مدخلا خاصة يربط بين المنزل وحجرة الاستحمام، وهذا ما يدل، حسب محدثنا، على أن هذا الحمام كان لصاحب المنزل، وأن صاحبه كان شخصية مرموقة في المجتمع. 

حمام سوق الغزل.. أرادوا ترميمه فهدموه

من بين أهم المعالم التاريخية والأثرية التي باتت مدينة قسنطينة تبكي على فقدانها، حمام سوق الغزل، الذي يقع بقلب المدينة القديمة، حيث استبشر سكان المدينة خيرا عندما تم برمجته ليموَّل ضمن المشاريع المعنية بالترميم خلال تظاهرة قسنطينة عاصمة الثقافة العربية لسنة 2015. وانطلقت الأشغال، وتم تعرية جدران الحمام، لتتوقف الأشغال، ويُترك هذا المعلم خرابا على خراب!

وحسب المختصين في التراث، فإن حمام سوق الغزل الذي يعود إلى العصر العثماني، يكتسي أهمية كبيرة؛ حيث يقع أسفل قصر الباي. وهناك روايات تتحدث عن وجود رواق أرضي، يؤدي مباشرة إلى قصر الباي أحمد، وهو ما يرجح فرضية أن الباي الحاج أحمد كان يختلي بنفسه في أشد الأوقات العصيبة عليه، داخل حجرة من حجرات هذا الحمام من أجل الاسترخاء أو التفكير في حل أمهات المشاكل. ويبقى هذا المعلم تحفة معمارية فنية عثمانية بامتياز، بوجود الأقواس التي تميز بنايته، والتي تدل على تأثر من بناه بالهندسة الإسلامية التي اشتهرت في ذلك الوقت، والذي يصارع من أجل البقاء.

اتصلنا بمدير الثقافة السيد لعريبي زيتوني من أجل الحصول على تفاصيل أكثر بخصوص ملف ترميم حمام سوق الغزل بشكل خاص وقضية الاهتمام بالحمامات التقليدية بالمدينة القديمة، خاصة أنها تصنَّف ضمن التراث وكان من المفروض أن يُعتنى بها بشكل أفضل، فوعدنا بتقديم توضحيات بعد الاطلاع على الملف. وقال إن عملية الترميم انطلقت وتوقفت لأسباب معيّنة، لكن بعد معاودة الاتصال بالمسؤول الأول عن قطاع الثقافة بعاصمة الشرق، كان هاتفه يرن بدون إجابة، ثم أصبح خارج مجال التغطية، ليبقى السؤال معلقا على باب مديرية الثقافة في انتظار إجابة شافية لسكان المدينة القديمة على وجه الخصوص، وسكان قسنطينة بشكل عام. 

الحمامات ساهمت في تقارب كبير بين أفراد المجتمع

أكد السيد عمر عرعرية أن الحمامات بقسنطينة كانت تكتسي بعدا اجتماعيا مهما، حيث كانت هذه الحمامات ملتقى نساء المدينة، ففيه يتم تزويج الفتيات؛ إذ كانت تتم أغلب الزيجات والخطبات والتقارب والتصاهر بين العائلات في قاعة الجلوس بهذه الأماكن، ليضيف أن الحمّام لعب دورا هاما في تبادل الآراء بين مختلف شرائح المجتمع، وكذا نشر الأخبار التي تهم المجتمع، فكان بمثابة الجريدة والتلفاز في ذلك الوقت. وقال إن الحمّام كان له مركز حساس في المدينة، كما كان يلعب دورا في إيواء اليتامى والمتشردين وحتى العجزة. وكان فرصة للقاء الأحبة والأصدقاء والمهاجرين، الذين بمجرد العودة إلى أرض الوطن يقصدون هذه الأماكن؛ يقيناً منهم بلقاء معارفهم. كما كان مقصدا للسياح، يضاف إليه عقد العديد من المعاملات التجارية بين التجار الذين يلتقون دوما في الحمامات، أو حتى بين الفلاحين الذين يقصدون الحمام بعد يوم شاق في الحصاد، ويقومون بعقد صفقات لبيع منتوجاتهم الفلاحية.

كما لعب الحمام دورا هاما في امتصاص البطالة، يقول محدثنا، خاصة أن الحمام الواحد كان يشغّل بين 12 و15 فردا، أغلبهم من الكياسة، الذين يقومون بدلك وفرك جلد الزبون وتنظيفه من الأوساخ العالقة وبقايا الجلد، أو ما يعرف بالخلايا الميتة، حيث كان الحمام الواحد يضم بين 8 و10 من الكياسة، يضاف إليهم الوقاف (المسؤول عن كل كبيرة وصغيرة بالحمام)، والموتشو (الذي يُدخل ويُخرج الناس إلى ومن حجرات الحمام ويقوم بالحراسة)، بالإضافة إلى القائمين على البيت السخون، والمسؤول عن المقهى الذي يقدم مشروبات ساخنة؛ سواء قهوة، أو شاي أو المشروب الحار.

ابن باديس استحم بحمّام بن نعمان... وبومدين حرص على بناء الحمامات بالقرى الاشتراكية

كشف محدثنا أن الإمام عبد الحميد بن باديس، كان استحم بحمام بن نعمان الواقع بالجهة العليا لسيدي بوعنابة، حيث أكد السيد عمر عرعرية أنه تحصّل على شهادة من طرف المرحوم الشيخ محمد الصالح الذي كان يعمل كياس بهذا الحمام في الفترة الاستعمارية. وقال إن هذا الأخير تحدّث معه عندما عملا معا في نفس الحمام منذ سنوات عديدة، ليكشف عن بعض الشخصيات المشهورة بقسنطينة التي كانت تتردد على الحمامات، على غرار الدكتور بن جلول، والشيخ بالموفق الطاهر، وسي عمار بن تشيكو، ودكتور موسى، الذين كانوا يقصدون حمامات ربعين الشريف. كما تحدّث عن زيارة لاعبي المنتخب الوطني سنة 1981 لحمامات وسط المدينة العتيقة، عندما واجهوا منتخب نيجريا في المقابلة الفاصلة المؤهلة لمونديال إسبانيا 1982.

وحسب السيد عمر عرعرية، فإن الحمام كان يكتسي أهمية كبيرة مباشرة بعد الاستقلال، على عكس الوقت الحالي؛ إذ تحدّث عن اهتمام الرئيس الراحل هواري بومدين بالحمامات، واستنتج ذلك من خلال وجود حمام إلى جانب مسجد في كل قرية اشتراكية، أمر بتشييدها الرئيس بومدين، مضيفا أن علاقة المسجد أو الزاوية بالحمام كانت علاقة وطيدة، حيث إن أغلب حمامات قسنطينة في المدينة القديمة، كانت بجوار زاوية أو مسجد. وقال إن العلاقة كانت طيبة جدا بين القائمين على هذه الزوايا أو المساجد، وبين عمال ومرتادي الحمامات. 

للحمّامات أهمية صحية يجهلها جيل اليوم

يرى محدثنا الذي داوم على العمل بالحمامات لأكثر من أربعة عقود، أن للحمام فوائد صحية كثيرة، حُرم منها كثير من شباب اليوم. وأكد أن الحمام لعب دورا كبيرا في القضاء على بعض الأوبئة التي تصيب الجلد، وعلى رأسها مرض الجرب. وقال إنه وقف على زيارة بعض المرضى المرسلين من طرف أطبائهم إلى الحمامات المعدنية، خاصة المشهورة منها بالشرق الجزائري؛ على غرار حمام قروز بالعثمانية أو بن عاشور بفرجيوة، مضيفا أن الماء الساخن والذي تصل درجة حرارته إلى 60 و70 درجة والمشبع بالمعادن وخاصة الكبريت، يساهم، بشكل كبير، في علاج أمراض الجلد والفطريات التي تصيبه. كما يعالج الماء الساخن، حسب خبرة السيد عمر عرعرية، أمراض الروماتيزم. ويُنصح المرضى بهذا الخلل في الجسم، بزيارة الحمامات في شهر أوت؛ حين تكون درجة الحرارة عالية، حيث يقومون بوضع أرجلهم في الماء الساخن، مع المداومة على هذا المنوال لعدة أيام، للتخفيف من التهابات المفاصل.

ويرى محدثنا أن هناك أمراضا جلدية تم علاجها بماء الحمام، في حين هناك أمراض تمنع عن صاحبها الاستحمام داخل الحمامات التقليدية، خاصة الذين يكون لديهم بثور تنزف بالقيح أو بالدم. كما قال إن مرضى الربو لا يُنصحون بالحمام، وحتى مرضى الضغط الدموي يتم التعامل معهم بشكل حذر.

وفي آخر حديثه إلـى "المساء" كشف لنا السيد عمر عرعرية عن تفسير بعض المفردات المشهورة في الحمام والتي يجهلها تماما جيل اليوم، على غرار الطاسة والكافتيرة؛ أوان نحاسية، تُستخدم في ملء الماء. والفنيق؛ صندوق المال. والوجاق؛ زاوية في الحمام تقدم فيها المشروبات الساخنة على غرار الشاي والحار. والفرناق؛ بيت النار أو الموقد الذي يتم تسخين الماء فيه. والبزيم؛ الحنفية المعدنية التي ينزل الماء منها سواء البارد أو الساخن. والبيت السخون؛ البيت الساخن حيث يجلس الشخص لأخذ قسط من البخار قبل الاستحمام). وبيت العرايس؛ غرف مغلقة كانت تخصَّص للعرسان أو الأشخاص الذين يرغبون في أخذ حمام على انفراد.