من برنوس الجزائر إلى كوفية فلسطين

الحرفية سميرة حجير تنسج حكاية صمود تراث

الحرفية سميرة حجير تنسج حكاية صمود تراث
  • 296
سميرة عوام سميرة عوام

حين يتلاقى عبق التاريخ بصمود الأرواح، تصبح الخيوط والإبر أدوات للمقاومة وحفظ الهوية، في جلسة تنبض بالشغف وروح الانتماء. جمع “المساء” الحوار مع الحرفية الفلسطينية المقيمة في الجزائر، سميرة حجير، لتقف معها عند محطات مضيئة بين أصالة التراث الفلسطيني العريق وروعة التقاليد الجزائرية الأصيلة، في قصة تروي كيف يتحول التراث إلى جسر من المحبة والحياة التي لا تموت، وكيف تظل الذاكرة الحية قادرة على مقاومة كل محاولات الطمس والنسيان، عبر الإبداع المستمر.

كشفت الحرفية الفلسطينية سميرة حجير، المقيمة بالجزائر، عن الأهمية البالغة لحماية التراث الفلسطيني وإحياء هويته في وجه محاولات الطمس والسرقة المستمرة، التي يمارسها الاحتلال، مؤكدة التزامها المطلق بالدفاع عن هذا الإرث الحضاري العريق. وفي هذا السياق، تسعى سميرة إلى الترويج لهذا الفن الأصيل، من خلال مشاركاتها الدائمة في المعارض الوطنية الجزائرية، عارضة الكوفية والثوب الفلسطيني بألوانه الزاهية، التي تشبه اللباس القبائلي شكلا ولونا، لتلفت الانتباه بدقة، إلى مدى التناغم البصري والروحي والثقافي بين البلدين الشقيقين. وفي حديثها الشيق عن تفاصيل هذا الإرث العريق، أكدت محدثة “المساء”، أنها مولعة بكل ما يمت للتراث الفلسطيني بصلة، معبرة عن شوقها الكبير لنشر هذا الجمال الإنساني في كل المحافل والمناسبات. 

أوضحت أن الثوب الفلسطيني، يحمل حكاية طويلة متجذرة في أعماق القرى والعمل الفلاحي؛ ففي زمن بعيد، كانت المرأة الفلسطينية تختتم أعمالها الشاقة مع أهلها، لتنكب على صناعة الثوب ونقشه يدويا بكل حب وروح تنبض بالحياة والأصالة. ولكي يحقق هذا التراث انتشارا أوسع يصل إلى كل جهة من الجهات في العالم، تم تطويره لاحقا بالاستعانة بالماكينة، دون المساس إطلاقا، بجوهره الأصيل وعروبته المتجذرة في وجدان الأجيال.

ولم تغفل الحرفية سميرة حجير الإشادة بالمرأة الجزائرية، وإبداء إعجابها الشديد بها، كونها تحب التفنن في إبراز تقاليد منطقتها العريقة في الأكل واللباس، وكيف أنها تحرص دائما على التعريف بتراثها، تفاخرا بانتمائه حتى وهي خارج حدود الوطن. وفي المقابل، شددت بكل فخر، على أنه رغم قسوة الحرب وويلاتها المدمرة، ما زالت المرأة الفلسطينية شامخة ثابتة، تفتخر بلباسها وتراثها العريق، الذي يأبى الانكسار أو الضياع، ليظل سدا منيعا في وجه محاولات المحو.

وقد تجسد هذا الترابط الوجداني والثقافي العميق، في إبداعات مميزة وفريدة؛ حيث اشتعلت سميرة على تطوير وامتزاج الثوب الفلسطيني مع اللباس الجزائري الأصيل. ومن أبرز هذه الابتكارات، إضافة التطريز الفلسطيني النابض بالحياة على البرنوس الجزائري الشتوي الدافئ، وإدخال الكوفية بلمساتها الخاصة على الملحفة الشاوية، وهو ما منح هذه القطع روحا جمالية ساحرة، تتناغم تماما مع التقاليد المشتركة للجزائر وفلسطين، مع تزيينها بأكسسوارات تزيدها بهاء وتألقا ورونقا.

ولعل ما يملأ قلب سميرة سعادة واعتزازا؛ رؤية المرأة الجزائرية اليوم، وهي تقبل بكل شغف على استخدام الثوب الفلسطيني في أعراسها ومناسباتها السعيدة، مصحوبا بأكسسوارات عصرية، تضفي عليه حلة مميزة وشكلا فريدا، يجمع بين عراقة الماضي وحداثة الحاضر. وأشارت في ختام حديثها، إلى وجود أشكال وأنواع متعددة لهذا الثوب؛ فمنه ما يخصص للمتزوجة، ومنه ما يناسب العزباء، إضافة إلى تصاميم أخرى تلائم كبار السن، مما يعكس مرونته الكبيرة وقدرته الأبدية على البقاء حياً ونابضاً في كل الأزمان والظروف. إن تجربة الحرفية سميرة حجير، تمثل بحق، جسرا متينا من المحبة والتضامن الإنساني العابر للحدود، وتأكيدا عمليا وثابتا على أن التراث هو الروح الحقيقية التي تبقي الهوية مصانة وحية في الوجدان، بغض النظر عن حدود الجغرافيا وقسوة الظروف والتحديات.