العائلات تودع رحلات اللحظة الأخيرة
التخطيط المبكر للعطلة الصيفية يرهن القرارات العفوية
- 223
نور الهدى بوطيبة
مع اقتراب كل صيف، يزداد تفكير العائلات الجزائرية في كيفية قضاء عطلتها السنوية، إذ أصبحت فترة لا تقتصر فقط على الهروب من ضغط العمل والدراسة، بل تحولت بالنسبة للكثيرين، إلى موعد عائلي ينتظر من سنة إلى أخرى، تتقاطع فيه الرغبة في الراحة، مع الحاجة إلى اكتشاف أماكن جديدة وصناعة ذكريات مشتركة بين أفراد الأسرة، وبين من يفضل البحر ومن يبحث عن الجبال أو المدن التاريخية، أو حتى الوجهات الخارجية، تتغير العادات وتتطور خيارات السفر تدريجيا، مع تغير الظروف الاقتصادية وتوسع العروض السياحية المتاحة، لاسيما مع تسهيلات الحكومة والرفع من منحة السفر قبل سنة.
ولأن العطلة الصيفية أصبحت جزءا مهما من نمط الحياة لدى شريحة واسعة من الجزائريين، فإن طريقة التخطيط لها تشهد بدورها تحولات لافتة، فبعدما كانت الرحلات العائلية تعتمد في الغالب على المبادرات الفردية والتنقلات العفوية، وبرامج الدقيقة الأخيرة، باتت اليوم أكثر تنظيما لدى عدد متزايد من الأسر، خاصة مع انتشار الحجز الالكتروني وتنوع البرامج السياحية والعروض التي تقدمها وكالات السفر، وهو ما يطرح تساؤلا حول ما إذا كانت العائلة الجزائرية تفضل التخطيط المسبق لعطلتها، أم أنها ما تزال تراهن على قرارات اللحظات الأخيرة.
حول هذا الموضوع، كان لـ«المساء”، حديث مع وكيل السياحة، لمين تريكي، وهو مسؤول في وكالة “أريج”، الرائدة في تنظيم الرحلات خارج الوطن، مؤكدا أن السنوات الأخيرة شهدت تغيرا واضحا في سلوك الزبائن، موضحا أن نسبة معتبرة من العائلات أصبحت تحضر لعطلتها قبل أسابيع، وأحيانا قبل أشهر من انطلاق موسم الاصطياف، خاصة عندما يتعلق الأمر بالرحلات المنظمة أو الوجهات التي تعرف إقبالا كبيرا، وأضاف أن الحجز المبكر يسمح للعائلات بالحصول على أسعار أفضل وخيارات أوسع، سواء من حيث الإقامة أو وسائل النقل، مضيفا أن الحجوزات المسبقة يفضلها أطراف المعادلة السياحية، أي كل من وكيل الفندق ومتعاملي بيع تذاكر الطيران أو الباخرة، وغيرها من وسائل النقل، إذ تمكنهم من الحصول على نظرة واضحة حول تنظيم تلك الفترات في أريحية.
وأكد الوكيل أن العائلة الجزائرية اليوم، أكثر وعيا بأهمية التخطيط للعطلة الصيفية، مقارنة بما كان عليه الوضع قبل سنوات، ورغم استمرار ثقافة القرارات المتأخرة لدى البعض، فإن المؤشرات الميدانية تؤكد صعود ثقافة التنظيم المسبق، والاعتماد المتزايد على الوكالات السياحية، خاصة لدى العائلات التي تبحث عن الراحة والأمان والاستفادة القصوى من أيام العطلة، وهي تحولات تعكس نضجا تدريجيا في ثقافة السفر والسياحة داخل المجتمع الجزائري.
التخطيط المسبق أصبح توجها عاما
يرى محدث “المساء”، أن التخطيط المسبق لم يعد حكرا على العائلات ذات الدخل المرتفع، بل أصبح توجها عاما تفرضه اعتبارات كثيرة، من بينها الرغبة في التحكم في الميزانية، وتجنب المفاجآت التي قد ترافق الموسم السياحي، خصوصا مع ارتفاع الطلب على الفنادق والإقامات خلال شهري جويلية وأوت، كما أن الكثير من الأسر أصبحت تخصص جزءا من مدخراتها السنوية للعطلة الصيفية، وتتعامل معها كمشروع عائلي يتم التحضير له مسبقا، كما أنها تفضل تلك التخطيطات مسبقا، لتفادي ارتفاع الأسعار، سواء تكاليف الفندق أو حتى تذاكر الطيران، كما أن البعض بات يستفيد من التخفيضات لاستغلالها بعد فترة بسعر جد تنافسي.
ورغم ذلك، ما تزال فئة من العائلات تفضل اتخاذ قرار السفر في اللحظات الأخيرة، وفق ما أكده تريكي، مشددا على أنه غالبا ما يرتبط الأمر بظروف العمل، أو بانتظار توفر السيولة المالية أو الاستفادة من عروض ترويجية تظهر مع اقتراب موعد السفر.
وأشار المتحدث، إلى أن هذا النمط ما يزال حاضرا بقوة، خصوصا لدى العائلات التي تفضل السياحة الداخلية والتنقل بالسيارة الخاصة نحو المدن الساحلية، إذ أنها، حسبه، لا تتطلب الكثير من التخطيط، فقط اختيار الوجهة وحجز الفندق في بعض الأحيان، أو غالبا شقق أو منازل خاصة للكراء مجهزة لموسم الاصطياف.
وفي ما يتعلق بالوجهات المفضلة، يقول المتحدث: “تبقى المدن الساحلية الجزائرية في مقدمة الخيارات، حيث تستقطب ولايات مثل بجاية وجيجل، سكيكدة ،عنابة ومستغانم ووهران وعين تيموشنت، أعدادا كبيرة من المصطافين كل صيف، غير أن السنوات الأخيرة، سجلت أيضا اهتماما متزايدا بالسياحة الصحراوية والرحلات نحو الجنوب الجزائري، خاصة في الفترات التي تسبق ذروة الحرارة أو التي تليها، كما بدأت بعض العائلات، وفق المختص، تتجه نحو اكتشاف المواقع الاثرية والثقافية والحمامات المعدنية، في إطار ما يعرف بالسياحة العائلية المتنوعة غالبا نحو مدينة تلمسان، أو قسنطينة أو سطيف، وغيرها من المدن التي تزخر بجمال فريد، كل واحدة تتميز بعاداتها وتقاليدها.
أما على صعيد السفر المنظم، فيؤكد لمين تريكي، أن ثقافة الاعتماد على الوكالات السياحية تعرف تطورا تدريجيا في الجزائر، فبعدما كان الكثير من المواطنين يفضلون تنظيم رحلاتهم بأنفسهم، أصبحت العائلات تنظر باهتمام أكبر إلى البرامج الجاهزة التي تشمل النقل والإقامة والتأمين والمرافقة السياحية، وهو ما يمنحها قدرا أكبر من الراحة ويجنبها متاعب البحث والحجز والتنسيق، حتى بالنسبة للوجهات الداخلية، الأمر الذي دفع بالكثير من الوكالات إلى التخصص في المنتج المحلي وتسويق وجهات محلية، عادة تتراوح بين يومين إلى نهاية الأسبوع وتصل إلى سبعة أيام وثماني ليالي، وحتى أكثر بالنسبة لعائلات مع أطفال، مضيفا أنها عادة هي من تفضل الرحلات الطويلة.
ويضيف أن إقبال الأسر على الوكالات، يزداد بشكل خاص لدى العائلات التي تسافر لأول مرة إلى الخارج أو تلك التي تبحث عن عطلة مريحة دون الانشغال بالتفاصيل التنظيمية، كما أن العروض الجماعية الموجهة للعائلات ساهمت في تعزيز هذا التوجه، من خلال توفير خدمات متكاملة بأسعار مدروسة، وتعمل العديد من الوكالات حاليا، على تقديم برامج داخلية وخارجية تراعي احتياجات الأسرة الجزائرية، من حيث الميزانية وطبيعة النشاطات المقترحة.
وتشير معطيات القطاع السياحي، يضيف تريكي، إلى أن التحول الرقمي ساهم بدوره في تغيير سلوك المسافرين، إذ أصبح الاطلاع على العروض السياحية والحجز ومقارنة الأسعار، يتم بشكل متزايد عبر المنصات الرقمية والمواقع المتخصصة، كما توسعت خدمات الحجز الالكتروني في مجالات النقل والإقامة والسفر، الأمر الذي شجع الكثير من العائلات على برمجة عطلتها بشكل مبكر ومنظم أكثر من السابق.
كما تولي السلطات الجزائرية اهتماما متزايدا بتطوير السياحة الداخلية، وتحسين ظروف موسم الاصطياف، من خلال التنسيق مع مختلف الفاعلين في القطاع، والعمل على توسيع الخدمات الموجهة للمصطافين، وهو ما يعكس المكانة التي أصبحت تحتلها العطلة الصيفية في حياة الأسر الجزائرية، وفي النشاط الاقتصادي المحلي.