لغياب الثقة في السوق والخوف من نفاد الميزانية

الأطفال يعيشون أجواء عيد الفطر في شعبان

الأطفال يعيشون أجواء عيد الفطر في شعبان
  • القراءات: 953
رشيدة بلال رشيدة بلال

تحوّل الخوف من مصاريف رمضان والازدحام الذي تشهده محلات بيع ملابس العيد، إلى هاجس يعيشه الجزائري مع اقتراب حلول شهر رمضان. ومن أجل هذا تسارع العائلات إلى اقتناء ملابس العيد لأطفالها قبل حلول الشهر الفضيل بأشهر؛ حيث تبلغ عملية الشراء ذروتها في شهر شعبان بعدما كان يُنظر إلى هذا السلوك الاستباقي، على أنه تصرف يخالف ما تعوّدنا عليه في عرفنا، غير أن تكراره كل سنة جعله يتحول إلى تقليد، وقلبَ، بذلك، القاعدة؛ فأصبح التحضير للعيد في الذهنية الجزائرية، يسبق الصيام.

شراء ملابس العيد صار سلوكا استباقيا عند العائلات الجزائرية؛ حيث تفضل الأغلبية، على حد قولهم، إزاحة التفكير في هذا الالتزام، خاصة أنه يكلف كثيرا لمن لديه أكثر من طفلين في العائلة، ومنه التفرغ لتلبية احتياجات المائدة الرمضانية، وما تتطلبه من مصاريف. وفي المقابل، تكيفت محلات بيع الملابس والأحذية وحتى الأكسسوارات مع هذا التغير في الذهنية، فأصبح جل التجار يسارعون إلى تجهيز محلاتهم بالسلع المطلوبة للعيد؛ لتلبية كل الأذواق.

وحسب ما جاء على لسان أحد تجار بيع الملابس ببلدية العفرون بولاية البليدة، فإن الخروج في الأيام الأخيرة من شهر رمضان وإحياء تقليد شراء ملابس العيد خاصة في الليل، يسير في طريق الاندثار. وعلى الرغم من الأثر الجميل الذي يتركه في قلوب الأطفال وحتى العائلات، إلا أن التغيرات الاجتماعية وموجة الغلاء وعدم الثقة في السوق من حيث وفرة السلع وأثمانها، جعلت العائلات تفضل دائما شراء ملابس العيد قبل حلول شهر رمضان، مشيرا إلى أن بعض العائلات اقتنوا ملابس العيد عند الدخول المدرسي.

وعلى صعيد آخر، أشار المتحدث إلى أنه تمكن من تصريف جزء كبير من سلعته المخصصة للعيد، ويتحضر لتجهيز ملابس الصيف، مشيرا إلى أن الأسعار لم تعرف زيادة كبيرة مقارنة بالسنة الماضية؛ حيث تصل بعض ملابس الأطفال المستوردة إلى 8 آلاف دج، بينما الأحذية فتصل إلى سقف 10 آلاف دج، مؤكدا: "رغم ذلك إلا أن الإقبال على الشراء كبير".

وعلّق تاجر آخر على الإقبال الكبير على اقتناء ملابس العيد بالقول: "إن التجار يعيشون أجواء العيد في محلاتهم؛ لكون كل السلع التي تباع خاصة بالعيد"، موضحا أن الأسعار مستقرة مقارنة بالسنة الماضية، وأن أغلب السلع التي تباع تركية الصنع، وتتراوح بين 6 آلاف و10 آلاف دج، أما محلية الصنع فتصل إلى سقف 5 آلاف دج، تجمع بين القميص والسروال، مشيرا، من جهته، إلى أن الإقبال كبير في هذه الأيام على اقتناء ملابس العيد.

وذكر تاجر آخر متخصص في بيع ملابس الأطفال، أن الإقبال على شراء ملابس العيد بدأ قبل حلول شهر شعبان؛ حيث كانت ربات البيوت يسألنه عن السلع المتعلقة بملابس العيد، وبعضهم من زبائنه المتعودين على شراء ملابسهم من محله، حجزوا طلباتهم حتى قبل أن يعرض السلع، مشيرا إلى أن الإقبال الكبير على اقتناء ملابس العيد، جعل التجار يشعرون بأنهم صاموا شهر رمضان وينتظرون هلال العيد، معلقا: "هذه التصرفات مرجعها حرص الأولياء على تمكين أبنائهم من أن يعيشوا فرحة العيد، خاصة من محدودي الدخل؛ خوفا من أن لا يتمكنوا من توفير المال الكافي للشراء بالنظر إلى ما يتطلبه الشهر الفضيل من نفقات، وبالتالي فإن الحرص على إسعاد الأطفال يبرر هذا السلوك".

غياب الثقة في السوق يبرر السلوك الاستباقيّ

اقتربت "المساء" من بعض ربات البيوت من اللواتي صادفتهن في بعض محلات بيع الملابس، للحديث عن سبب الإقبال على الشراء حتى قبل حلول شهر رمضان؛ إذ أكدت الأغلبية أن الخوف من ارتفاع الأسعار وعدم العثور على بعض المقاسات والرغبة في التفرغ لتلبية احتياجات الشهر الفضيل من عبادة وتحضيرات، كلها أسباب جعلتهن يفكرن في الشراء قبل دخول شهر رمضان. وحسب ما جاء على لسان مواطنة، فإن أكثر ما يرهقها هو البحث عن ملابس العيد، وما تعرفه العملية من زحمة وضغط؛ الأمر الذي جعلها، في السنوات الأخيرة، تفضل، دائما، شراء ملابس العيد قبل حلول المناسبة.

ويرى حسان منوار رئيس جمعية "الأمان" لحماية المستهلك، أن ظاهرة شراء ملابس العيد قبل دخول شهر شعبان، لديها ما يبررها، وهي القدرة الشرائية، التي لاتزال تشكل أكبر تحدّ لبعض العائلات، إلى جانب بعض الثوابت الاستهلاكية، التي لم يستطع الجزائري التخلص منها، والمبنية على التخوف من مصاريف الشهر الفضيل، وقلة الوقت والازدحام؛ الأمر الذي جعل عملية الشراء قبل رمضان، تتحول إلى تقليد راسخ، مشيرا إلى أن ما لاحظه في السنوات الماضية هو "وجود حالة من قلة الثقة في السوق، مرجعها بعض القرارات الفجائية - إن صح التعبير- والتي يتم الإعلان عنها بين الفينة والأخرى من وزارة التجارة. وتخص استيراد أو منع استيراد بعض السلع؛ الأمر الذي عزّز غياب الثقة عن المستهلك، وجعله يفضّل تأمين حاجاته مسبقا، ويصوم شهره مرتاحا".

ويختم رئيس الجمعية توضيحه بالقول: "إن التفسير الوحيد الذي يبرر سلوك العائلات الجزائرية لاقتناء ملابس العيد قبل حلول شهر شعبان، هو غياب الثقة في السوق من حيث الوفرة والأسعار التي تعيش دائما حالة من عدم الاستقرار والثبات، وبالتالي فرغم كونه سلوكا استباقيا إلا أن لديه ما يبرره، وقد تحوّل مع مرور السنوات، إلى سلوك عادي".