مع قرب حلول موسم الجد والنشاط
اشتياق إلى العطلة على وقع الخمول
- 227
نور الهدى بوطيبة
تقترب العطلة الصيفية من نهايتها كما لو أنها مرت في لمح البصر!. فبعد أسابيع بدت في مستهلها طويلة ومفتوحة على كل الاحتمالات، يجد كثيرون أنفسهم في الأيام الأخيرة، أمام موعد العودة الى العمل، والدراسة، واستعادة تفاصيل الحياة اليومية؛ إذ تتغير ساعات النوم، وتقل السهرات والخرجات، وتعود المواعيد والالتزامات الى ما كانت عليه. ومعها يظهر شعور غريب لدى البعض؛ مزيج من الحنين الى أيام الراحة، والقلق من سرعة انتهاء الوقت؛ وكأن نهاية العطلة تعني، بالضرورة، التخلي عن مساحة من الحرية اعتادوا عليها طوال الصيف.
في كل بيت تقريبا، يمكن ملاحظة هذا التغيير مع اقتراب سبتمبر. فالأبناء يبدؤون التفكير في الدخول المدرسي وما يحتاجونه من لوازم. والآباء يستعيدون حسابات الوقت، والتنقل والعمل، فيما يحاول آخرون الاستفادة من الأيام الاخيرة قبل أن تعود الحياة الى نسقها المعتاد. وبين هذا كله يظهر السؤال الذي يردده كثيرون في هذه الفترة: لماذا تبدو العودة الى الروتين ثقيلة حتى عندما نكون في حاجة إلى العمل وكسب قوة الحياة؟.
في هذا الصدد يقول أستاذ علم الاجتماع عبد الرؤوف معسوف، إن هذا الشعور طبيعي الى حد كبير؛ لأن الإنسان خلال العطلة لا يغير مكانه أو مواعيد عمله فقط، بل يغير نمط حياته كاملا، موضحا أن العطلة تمنح الفرد مساحة من الحرية في تنظيم يومه؛ فينام عندما يريد، ويخرج عندما يريد، ويقضي وقتا أطول مع عائلته وأصدقائه، ويستمتع بالراحة، ولذلك فإن العودة تعني التخلي عن هذا الهامش، والرجوع الى نظام أكثر انضباطا، وهو ما يجعل الأيام الأولى تبدو ثقيلة حتى بالنسبة لمن يحب عمله، أو يشتاق إليه، وبالضرورة هو بحاجة إليه.
ويرى الأستاذ أن المسألة لا ترتبط دائما بالتعب من العمل، بل بفكرة الانتقال نفسها، فالفرد خلال الصيف يتعود على نمط مختلف من العلاقات والحركة، وتصبح اللقاءات العائلية والخروج والسهر جزءاً من الحياة اليومية. ثم يجد نفسه فجأة مطالَبا بتقليص هذه المساحات؛ بسبب ساعات العمل او الدراسة، مضيفا أن الإنسان بطبيعته، يميل الى الاعتياد. وعندما يعتاد على الراحة يصعب عليه في البداية التخلي عنها، تماما كما يحتاج بعد فترة طويلة من العمل، الى بعض الوقت حتى يدخل في أجواء العطلة، ويعتاد على تلك الراحة بالرغم من متعتها.
ويظهر هذا الأمر بشكل واضح لدى العائلات الجزائرية، يقول معسوف، حيث ترتبط العطلة الصيفية في كثير من الأحيان بالزيارات العائلية، والسفر الى المدن الساحلية أو حتى خارج الوطن، وعيش تجارب جديدة، وقضاء الأمسيات خارج المنزل. كما تشكل فرصة يلتقي فيها أفراد الأسرة الذين تفرّقهم الدراسة والعمل طوال السنة؛ لذلك لا تكون نهاية العطلة مجرد نهاية لأيام الراحة بالنسبة للبعض، بل نهاية فترة اجتماعية أكثر حيوية، أو مغامرة مميزة، وهو ما يجعل الإحساس بأن الصيف انتهى، يحمل جانبا من الحنين الى تلك التفاصيل الصغيرة.
ويشير عبد الرؤوف معسوف الى أن كثيرا من الناس لا يفتقدون العطلة في حد ذاتها بقدر ما يفتقدون نمط الحياة الذي توفره؛ فالشخص قد يقول إنه يشتاق الى الصيف، لكنه في الحقيقة يشتاق الى السهر مع الأصدقاء، أو الجلوس مع العائلة الى وقت متأخر، أو الخروج دون تفكير كثير في موعد العودة، أو حتى الى الصباح الهادئ دون عجلة الوصول الى المكتب، أو مكان العمل، أو القسم، والتي لا يفرض فيها المنبه نفسه على الجميع؛ ولهذا ما يشعر به في نهاية العطلة مرتبط، أيضا، بما تمثله هذه الفترة في الحياة الاجتماعية.
ولا يتوقف الأمر عند الكبار؛ فمع اقتراب الدخول المدرسي تتغير أجواء البيت تدريجيا. ويعود الحديث عن المحافظ، والكتب، والملابس. وتبدأ العائلات في ترتيب ساعات النوم. ويستعيد الأبناء فكرة الاستيقاظ المبكر بعد أسابيع من السهر. وهي مرحلة قد تحتاج الى بعض الوقت حتى تصبح أمرا طبيعيا مرة أخرى. وفي كثير من الأحيان يكون الآباء أنفسهم جزءاً من هذا الانتقال؛ لأن عودة الأبناء الى الدراسة تعني عودة الأسرة كلها الى جدول أكثر صرامةً وتنظيماً.
ويرى الأستاذ عبد الرؤوف معسوف أن المشكلة تظهر عندما ننظر الى العودة باعتبارها نهاية كاملة للراحة، بينما يمكن الاحتفاظ بجزء منها داخل الروتين اليومي؛ فليس معنى العودة الى العمل او الدراسة أن تختفي اللقاءات العائلية أو الخروج أو ممارسة الهوايات، بل يمكن تنظيمها بطريقة مختلفة خلال عطل نهاية الأسبوع. ويقول إن الإنسان يحتاج دائما الى مساحة يشعر فيها أن وقته ملكه حتى وسط الالتزامات؛ لأن الحياة التي تخلو تماما من هذه المساحة، تصبح أكثر إرهاقا، وضغطا.
ومع اقتراب نهاية أوت، يقول محدث "المساء" ، "يبدأ الكثيرون في عيش لحظة الوداع قبل أن تنتهي فعليا؛ يلتقطون الصور الأخيرة من البحر، ويستغلون السهرات المتبقية، ويخططون لرحلة أخيرة قبل أن يغلق الصيف أبوابه. وربما يكون هذا جزءا من سبب شعورنا بسرعة مرور العطلة؛ فعندما نعرف أن النهاية اقتربت نبدأ في الانتباه الى الوقت بطريقة مختلفة، ونصبح أكثر وعيا بكل يوم يمر".