يحمّله الكثيرون مسؤولية الأزمات الصحية الراهنة
ارتفاع "الكورتيزول".. ضرورة بيولوجية أم مصدر اضطراب؟
- 126
نور الهدى بوطيبة
يتسلل التوتر إلى تفاصيل الحياة اليومية، دون أن نشعر، بين ضغوط العمل وتراكم المسؤوليات وقلة النوم وتسارع وتيرة الحياة، ومع تزايد الحديث عن الإرهاق واضطرابات النوم وزيادة الوزن والقلق، يبرز "الكورتيزول" بوصفه "هرمون التوتر"، الذي بات كثيرون يحمّلونه مسؤولية ما يشعرون به من تعب واضطراب، حتى أصبح البحث عن طرق لخفضه، هاجسا صحيا لدى فئات واسعة، غير أن الصورة الطبية أكثر تعقيدا من ذلك، فـ"الكورتيزول"، هرمون غير ضار ينبغي التخلص منه، بل مادة حيوية يحتاجها الجسم للبقاء، وتنظيم عدد من الوظائف الأساسية، من الاستجابة للضغط النفسي، إلى ضبط ضغط الدم ومستوى السكر والالتهاب، وحتى الامتثال الغذائي، وهنا المشكلة لا تكمن في وجوده أو ارتفاعه لفترة قصيرة، وإنما في اختلال مستوياته وإيقاع إفرازه، عندما يستمر الارتفاع بصورة غير طبيعية.
يزداد الالتباس حول هذا الهرمون، بسبب ارتباط اسمه في الخطاب اليومي، بكل مظاهر التعب والقلق والأرق، وحتى زيادة الوزن والسمنة، في معلومات تتداولها مواقع التواصل الاجتماعي، ومنشورات تدعي وجود طرق لتخفيضها بطريقة تقليدية، وأخرى باستعمال الأعشاب، أو حتى من خلال تمارين التنفس، وغير ذلك، بينما علميا، لا يكفي الشعور بالتوتر أو الإرهاق وحده، للقول بأن "الكورتيزول" مرتفع بصورة مرضية، فالجسم يفرزه وفق نظام دقيق يتغير على مدار اليوم، ويبلغ مستواه عادة ذروته في ساعات الصباح الأولى، ثم يتراجع تدريجيا، ليصل إلى مستويات منخفضة خلال الليل، لهذا فإن تشخيص اضطرابات "الكورتيزول" يحتاج إلى فحوص محددة، وتقييم طبي متكامل، وهو ما يجعل فهم هذا الهرمون خطوة ضرورية قبل الوقوع في فخ التشخيص الذاتي، أو البحث عن حلول سريعة لمشكلة قد لا تكون موجودة أصلا.
متى يتحول "الكورتيزول" إلى خطر؟
بين المعلومات الطبية الدقيقة، والمحتوى المنتشر على الأنترنت، يبقى السؤال الأهم؛ متى يكون ارتفاع "الكورتيزول" مجرد استجابة طبيعية للضغط النفسي، ومتى يصبح علامة على مشكلة هرمونية تحتاج إلى تشخيص وعلاج، فالإنسان لا يفرز "الكورتيزول" بالكمية نفسها طوال اليوم، بل هناك نظام بيولوجي دقيق يتحكم في إفرازه، لهذا قد يكون توقيت التحليل أهم من الرقم نفسه، وقد تكون قراءة مرتفعة في وقت معين طبيعية تماما، بينما تصبح قراءة أخرى في وقت غير مناسب مثيرة للقلق، ومن هنا تأتي أهمية فهم "الكورتيزول" قبل الخوف منه، وفهم الطريقة التي يقاس بها قبل تفسير نتائجه.
ولفهم كل هذه التفاصيل حول هذا الهرمون، كان لـ"المساء"، لقاء مع الدكتورة نبيلة بن خديج، طبيبة مختصة في الغدد الصماء، التي أشارت إلى أن "الكورتيزول" هرمون تنتجه الغدتان الكظريتان الموجودتان فوق الكليتين، ويخضع إنتاجه لسلسلة من الإشارات الهرمونية، تبدأ في منطقة تحت المهاد في الدماغ، ثم الغدة النخامية المسؤولة على إنتاج هرمون، وهذا الهرمون يحفز الغدد الكظرية على إنتاج "الكورتيزول"، وعندما ترتفع مستوياته بدرجة كافية، تعمل آلية التغذية الراجعة على تقليل الإشارات التي تحفز إنتاجه، وهي منظومة دقيقة، تساعد الجسم على المحافظة على التوازن وسلامة أعضائه.
التوتر وقلة النوم والإجهاد أسباب أخرى...
أوضحت المختصة، أن الخطأ الأكثر شيوعا، هو التعامل مع "الكورتيزول" على أنه مجرد مؤشر مباشر للتوتر، لأن ارتفاعه لفترة قصيرة، قد يكون استجابة طبيعية تماما، فالمرض أو الإصابة أو قلة النوم أو المجهود الشديد أو الضغط النفسي، يمكن أن تؤثر في مستواه، فلا يعني دائما ارتفاعه وجود مشكل صحي، كما أن بعض الأدوية يمكن أن تغير نتائجه، لكن أحيانا اختلافه يعني وجود خلل، مثل "متلازمة كوشينغ"، التي تنتج عن التعرض الزائد لـ"الكورتيزول" لفترة طويلة، فهي تعد حالة مرضية مختلفة، ولا يمكن تشخيصها من خلال عرض واحد، مثل التعب أو زيادة الوزن، وإنما لابد من القيام بتحاليل لمعرفة نسبتها، ومدى تأثيرها على نظام الجسم.
ومن العلامات التي قد تظهر عند وجود زيادة مرضية ومستمرة في "الكورتيزول"، تقول المختصة: "زيادة الوزن، خصوصا في منطقة البطن والوجه، نحول الذراعين والساقين، ظهور وجه مستدير، تراكم الدهون عند قاعدة الرقبة أو بين الكتفين، سهولة ظهور الكدمات، ظهور خطوط جلدية عريضة تميل إلى اللون البنفسجي، ضعف العضلات، ارتفاع ضغط الدم، اضطراب سكر الدم، وقد تظهر لدى النساء اضطرابات في الدورة الشهرية أو زيادة الشعر في بعض مناطق الجسم، كما يمكن أن تحدث تغيرات في المزاج والقدرة على التركيز، لكن وجود واحد من هذه الأعراض، لا يعني تلقائيا وجود متلازمة ارتفاع "الكورتيزول" المرضي، لأن كثير منها يمكن أن يحدث، بسبب حالات صحية أخرى، غير ارتفاع الكورتيزول".
دورة النوم والاستيقاظ تتحكم في مستوى الهرمون
أما أسباب الارتفاع، فتختلف باختلاف الحالة، والسبب الأكثر شيوعا لـ"متلازمة كوشينغ"، الاستخدام الطويل وبجرعات مرتفعة لأدوية "الكورتيكوستيرويد"، التي تستخدم لعلاج عدد كبير من الأمراض، كما يمكن أن ينتج الجسم كمية زائدة من "الكورتيزول"، بسبب ورم في الغدة النخامية، يؤدي إلى زيادة الهرمون المسؤول على رفع هرمون "الكورتيزول"، أو بسبب ورم في الغدة الكظرية، لهذا فإن اكتشاف ارتفاعه لا ينهي رحلة التشخيص، بل يفتح باب البحث عن السبب.
وهنا تبرز مسألة التوقيت، تشدد الدكتورة بن خديج، فـ"الكورتيزول"، تقول "لا يتحرك في الجسم على وتيرة ثابتة، بل يتبع ايقاعا يوميا مرتبطا بدورة النوم والاستيقاظ، ويكون في مستواه الأعلى عادة في الساعات الأولى من الصباح، بين السابعة والتاسعة، ثم يبدأ بالانخفاض تدريجيا خلال النهار، ليصل إلى مستويات منخفضة جدا في الليل، وتشير المراجع الطبية، إلى أن مستواه، يبدأ عادة في الارتفاع خلال ساعات الفجر، ويبلغ ذروته تقريبا بين السابعة والتاسعة صباحا، ثم ينخفض مع مرور ساعات اليوم".
لهذا السبب، تضيف، يجب قياس "الكورتيزول" في الصباح، وغالبا يكون سحب عينة الدم في وقت مبكر، لأن المختبر يحتاج إلى مقارنة النتيجة بالمدى الطبيعي الخاص بذلك الوقت، وليس من المنطقي تفسير رقم "الكورتيزول"، بالطريقة نفسها في الثامنة صباحا، وفي منتصف الليل، كما أن بعض الفحوص الخاصة بزيادة "الكورتيزول" تبحث عن فقدان هذا الايقاع الطبيعي، فالشخص المصاب بـ"متلازمة كوشينغ"، قد لا ينخفض لديه "الكورتيزول" في الليل، كما يحدث عادة لدى الشخص السليم.
وتشرح المختصة، أن قياس "الكورتيزول" يمكن أن يتم عبر الدم أو البول أو اللعاب، ولكل طريقة هدفها ودلالتها، فتحليل الدم يعطي صورة عن مستواه في لحظة محددة، بينما يسمح جمع البول لمدة أربع وعشرين ساعة، بتقدير كميته الحرة التي يطرحها الجسم خلال اليوم، أما "الكورتيزول" في اللعاب، فيمكن استخدامه خصوصا في ساعات الليل، وهو فحص مهم عند الاشتباه في "متلازمة كوشينغ"، لأن المستوى الليلي يفترض أن يكون منخفضا جدا لدى الشخص السليم.
التحليل وحده غير كافٍ لتحديد مستوى الهرمون
أضافت المختصة، أن تحليل "الكورتيزول" وحده غير كاف لتشخيص ارتفاعه، بل لابد من إجراء فحوصات مكملة، فهي معلومات يحتاجها الطبيب المعالج، لتحديد مدى وجود ارتفاع غير طبيعي لهذا الهرمون على مدار اليوم في الجسم.
وفي الأخير، أكدت الطبيبة أنه في حالة وجود بعض تلك الأعراض أو جميعها، لابد من إجراء الفحوصات اللازمة، فلا يعني الشعور بالتوتر اليومي دائما، أن الشخص مصاب بارتفاع مرضي في "الكورتيزول"، كما أن التعب وحده أو الأرق وحده أو زيادة الوزن، لا تكفي لتشخيص متلازمة ارتفاع "الكورتيزول"، فهناك حالات كثيرة يمكن أن تسبب الأعراض نفسها، ولهذا تشدد التوصيات الطبية على عدم إجراء فحوص واسعة وعشوائية لكل شخص يشعر بالضغط النفسي، وإنما توجيه الفحوص للأشخاص الذين تظهر لديهم مجموعة من العلامات المتقدمة، أو غير المعتادة أو المتزايدة مع الوقت، مشددة أن العلاج يكون وفق الحالة، خاصة وفق السبب، من خلال استشارة طبية، كما أن النوم المنتظم وتقليل الإجهاد وممارسة النشاط البدني بصورة مناسبة، والحفاظ على نمط حياة متوازن، تبقى عوامل مهمة للصحة العامة، لكنها لا تعد بديلا عن العلاج الطبي.