‘’القاضي وجماعتو" .."الطباهج" .. "دار عمي" .. "بوصليع" .. "تزدام الأغا"

إرث المطبخ الجزائري العريق.. أطباق منسية بحاجة للحفظ والتنقيب

إرث المطبخ الجزائري العريق.. أطباق منسية بحاجة للحفظ والتنقيب
  • 244
أحلام محي الدين أحلام محي الدين

❊ أطباق صحية تعكس وعي الجدات

❊ حلوى الغريبة محبوبة الداي 

يعد المطبخ الجزائري من أشهى المطابخ العالمية، إذ تتفنن حرائر الجزائر في إعداد مختلف الأطباق التقليدية والعصرية، التي تعبق الأجواء بنكهاتها، فكم من طبق أسر متذوقه، وكل من استطعم "الرشتة"، لم ينس ذوقها، وكذلك الكسكسي بأنواعه التي تناهز 300 نوع، إلى جانب "الدوارة"، "البوزلوف" و«الشخشوخة"، بأنواعها الحلوة والمالحة .. القائمة طويلة جدا والخزانة ثرية، اليوم وبفعل التغيرات الاقتصادية أو الحضارية، أصبح لزاما العودة إلى الخزانة التاريخية للمطبخ الجزائري، من شرقه إلى غربه وشماله وجنوبه، لإخراج كنوزه المنسية، أطباق كانت تصنع البهجة وأخرى تعالج بها أمراض الشتاء، وأنواع أخرى تحفظه الذاكرة، على غرار "المشوش المسيلي"، طبق "دار عمي"، "البوصليع"، "القاضي وجماعتو"، وغيرها من الأطباق التي تحتاج إلى إعادتها لتزيين الموائد...

تزخر المائدة الجزائرية بتراث هائل من الأطباق، التي كانت أساسية في بيوت الأجداد، لكنها بدأت تتوارى تدريجيا أمام الأطباق العصرية السريعة، منها من دخل خزانة النسيان وأغلقت عليه الأبواب، وأخرى تطل بنور خافت من عقد لآخر، ومن بين الأطباق التي لم تعد تتربع على الموائد "سكران طايح في الدروج"، "الطباهج"، "المخلعة " أو "المختومة"، والتي تعتبر من الأطباق التقليدية القديمة بالجنوب الجزائري، وهي نوع من "المعارك" المحشو بخليط من "الشحم" المذوب مع التوابل الحارة، البصل، والطماطم المجففة. كانت تحضر قديما، لتوفير الطاقة في الأيام الباردة. 

وكذا طبق "القاضي وجماعتو"، أو "الباي وجماعتو"، تختلف التسمية حسب المناطق، وهي أكلة تقليدية، تتكون من قطع الدجاج، مع الحمص والبهارات، تحيط بها كريات اللحم المفروم، إلى جانب حبات البيض المسلوق، ويقال إن النساء اخترن هذا الإسم، تمجيدا لمهنة القاضي، كونها من أرقى المهن وأعلاها شأنا في الزمن الماضي. وهو الطبق الذي كان يقدم فقط للنبلاء والطبقة الراقية.

طبق "تزدام الأغا"، وهو من الأطباق التي تمجد الرجل المسؤول، الذي يعمل أو يمارس نشاطا ولديه ماله الخاص في جيبة، إذ كان المال وقتذاك يوضع في كيس صغير، يعلق بخصر الرجال، وكان وسيلتهم لحفظ النقود، ويسمى "التزدام"، أو "البورت موني" حاليا. وهي أكلة متأثرة بالثقافة العثمانية. ويقول المثل الجزائري، في هذا الشأن "اللي بغا طامو.. يحل تزدامو"، أي "من أراد أمرا مميزا أو يشتهي شيئا، يفتح محفظته ليدفع ثمنه". وتتكون الوصفة من الدجاج الذي يقلى مع الفلفل الأسود والقرفة والملح، بعد وضعه في السمن والزيت، وتحميره مع الثوم والبصل، يوضع فوقه الماء مع "الحميصة" المنقوعة، ثم يتم تقطيعه لقطع صغيرة، بعد تمام النضج. ويتم تجهيز خليط مكون من البيض والجبن والبقدونس وبيكربونات الصوديوم، وتقليبه جيدا، ليصبح خليطا متجانسا، وتُغطس به قطع الدجاج، بعدها تقلى وتقدم في صحن مع المرق، وقطع الليمون ورشة بقدونس.

ومن الأكلات العاصمية المنسية، "مومو في حجر أمو"، أي الرضيع في حجر أمه، وهي أكلة تقليدية شعبية شهيرة، تتكون من البيض واللحم المفروم، إضافة لمكونات أخرى، مثل الزيتون، وسميت بذلك، لوضع البيض المسلوق داخل كريات اللحم المفروم، بعد خلطه بالبهارات والبقدونس، إذ يتم إدخال المكونات في الفرن، كما يمكن وضع قطعة دجاج في وسط طبق التقديم.

ومن الأطباق الشهيرة في الماضي، "سكران طايح من الدروج"، أي سكير يقع من الدرج، والمتكون من طبقة من الباذنجان المقلي، وطبقة أخرى من اللحم المفروم المقلي مع البصل والبقدونس، تعلوه طبقة أخرى من "البشاميل"، وإن كانت حاليا توجد وصفات مشابهة، إلا أن الإسم الأصلي اختفى. طبق "الطباهج" أيضا من الأطباق الشائعة بالشمال، يُعد من البيض والبصل وعنوق الدجاج، وهناك من يحضره بالبطاطا والباذنجان وعنوق الدجاج أو الديك الرومي بمرق أحمر.


ملتقى الأكلات المنسية .. إبداع أعاد الحضور لأيام زمان

نزلت "المساء" ضيفة على ملتقى الأكلات المنسية، الذي احتضنه قصر الداي حسين، في شهر التراث، في أجواء عبقت فيها "ريحة زمان"، مع تفاصيل أيام خلت، كانت تشكل فخر الأجداد وإبداع الجدات، حيث عمدت الحرائر لتقديم الأفضل من صلب الطبيعة، وكانت الأمهات يعملن في الفلاحة وحلب الأبقار والأنعام، لتخرج أشهى الدهان، وأروع حبات القمح الذهبية، لتهم بعدها بطحنها وصنع أشهى الأطباق التي تحفظها الذاكرة الوطنية... وفي هذا الموعد، حضر المبدعون والمبدعات من الشيفان، والطباخون والطباخات، الوافدون من 12 ولاية، لعرض أثمن ما تخفيه خزائن المطابخ.

أوضحت ياسمين جنوحات، إعلامية، مختصة في الأكلات التقليدية والعصرية، أن ملتقى الأكلات المنسية، في طبعته الأولى، التي احتضنها قصر الداي بحسين داي، مؤخرا، بالتنسيق مع منظمة الحفلات نوال ياس ايفنت، ومديرية النشاطات الثقافية لولاية الجزائر، جاءت للحديث عن الأكلات المنسية التي تعد جزءا من الهوية الثقافية والتراث الشعبي، والتي كانت تزين موائد الأجداد، مؤكدة أن الإرث تراجع اليوم، أمام زحف الوجبات السريعة والأطباق العصرية. معتبرة أن هذه الأطباق ليست طعاما فحسب، بل هي حفظ للذاكرة الجماعية ونقل لتقاليد عريقة من جيل إلى جيل. وأضافت جنوحات: "اختفاء هذه الأكلات يعود إلى تغير نمط الحياة، وضيق الوقت، وانتشار الأطباق العالمية. ومع ذلك، يتميز الطبخ التراثي بخصائص فريدة، جعلت الخبراء اليوم، يدعون إلى العودة إليه وإحيائه من جديد، لما يحمله من قيمة غذائية وثقافية كبيرة".

تشرح: "في الجنوب الجزائري مثلا، نجد أطباقا تقليدية مميزة من "المرمز" والكسكسي بالأعشاب البرية، كالقرنينة، السلق البري والترفاس. ومن هذا المنطلق، جاء ملتقى الأكلات المنسية ليكون فضاء، لإحياء هذا التراث، تحت شعار: (لا للاندثار، نعم للتوثيق)". مردفة بالقول: "نسعى إلى جمع الوصفات من كبار السن، وتدوينها، ونقلها للأجيال القادمة". وأضافت: "كما يهدف هذا الملتقى إلى تسليط الضوء على الأكلات المنسية، وتعريف الأجيال الجديدة بها، ودمجها في قوائم المطاعم، وتشجيع الطهاة المحترفين على تقديمها بلمسة عصرية. وقد فتحنا باب المشاركة أمام الطهاة من مختلف الولايات، حيث شاركت 12 ولاية، رغم أن عدد الراغبين كان أكبر، لكن ضيق المكان فرض علينا هذا العدد".

أشارت في الختام، إلى أنه تم تنظيم هذا الحدث، بالتنسيق مع مديريات الثقافة، ومشاركة فاعلين من داخل الوطن وخارجه، من بينهم نوال ياسمين من فرنسا، في إطار جهود مشتركة، لإبراز هذا التراث وخلق جسر تواصل بين جيل الأمس وجيل اليوم. مؤكدة على أمل أن يصبح هذا الملتقى تقليدا سنويا، ينظم كل سنة في ولاية من ولايات الوطن، للترويج لهذا الموروث الغني. مضيفة بالقول: "نسعى مستقبلا، إلى إصدار كتاب يجمع هذه الوصفات ويوثقها توثيقا علميا وثقافيا".

من جهتها، أشارت الشاف رقية شقروش، رئيسة الهيئة الوطنية للذوق والإبداع، إلى أن المناسبة، فرصة لحفظ وتوثيق ذاكرة المطبخ الوطني، مؤكد أن هذه الأطباق إرث الأمهات والجدات، وتخص كل مناطق الوطن، نظرا لغناها، مشيرة إلى أن لكل طبق قصة ورواية وحكاية، مردفة بالقول: "النساء الجزائريات كن مدبرات وسيدات بيت مميزات، فالأم كانت تحضر أطباقها الصحية مما وجد بأرضها وبيتها، وفي خم دجاجها"، موضحة أن العودة إليها والحفاظ عليها ضرورة، لاسيما أن الأطباق العصرية غير الصحية، تحاول الهيمنة على المطابخ، وختمت بالقول: "أتمنى أن نساهم جميعا في إحياء هذه الأطباق، على غرار البركوكس بالقديد، الروينة، كسرة الشحمة، بومسلي، بوصليع، كلها أطباق شهية وغنية صحيا، لابد من العودة لها".


السفيرية .. طبق الذكاء الفاخر

تعد "السفيرية" المحضرة من (بالخبز البايت)، من الأطباق المنسية، التي أخذت نصيبا كبيرا من الإعجاب في ملتقى الأكلات، لأنها تمثل قمة الذكاء في المطبخ الجزائري القديم؛ حيث كانت الأمهات يرفضن رمي الخبز ويحولنه إلى طبق فاخر، يقدم حتى للضيوف. ​​​يتم تحضير المرق الأبيض من ​المكونات التالية، قطع دجاج، بصلة مفرومة، حفنة حمص (منقوع)، ملح، فلفل أسود، وعود قرفة. ​في طنجرة، ضعي القليل من السمن والزيت وقلي قطع الدجاج مع البصل والقرفة. ​أضيفي الحمص والتوابل، ثم اسقيها بالماء الساخن واتركيها تغلي حتى يستوي الدجاج تماما. 

تحضير كويرات السفيرية 

​المكونات: خبز يابس "بايت"، حليب، بيض، جبن أبيض، معدنوس مفروم، رشة قرفة، ورشة خميرة كيميائية "لجعلها خفيفة".​ ​انزعي القشرة الخارجية الصلبة للخبز، ثم انقعي اللب في الحليب حتى يلين. ​اعصري الخبز جيدا بيدك للتخلص من الحليب الزائد، وضعي اللب في إناء. ​أضيفي إليه البيض "تدريجيا حسب الكمية"، الجبن، المعدنوس، ورشة القرفة. ​اعجني الخليط حتى تحصلي على عجينة يمكن تشكيلها "إذا كانت طرية جداً أضيفي القليل من الفرينة أو الخبز المطحون". ​شكلي كويرات أو بيضاويات، واقليها في زيت ساخن حتى تأخذ لوناً ذهبيا جميلا​، وعند التقديم، ​ضعي كويرات السفيرية في صحن التقديم، وضعي فوقها قطع الدجاج والحمص، رشة معدنوس، ثم اسقيها بالمرق الساخن.