مجلة غنائم الورود
إبحار في عوالم مختلفة تحاكي الذكاء
- 1826
أحلام محي الدين
تلقت "المساء" نسخة من العدد الأول من مجلة "غنائم الورود" التي أعدها قائد مركز التوجيه المدرسي والمهني بموزاية (ولاية البليدة) الأستاذ هلال مجيد تحت إشراف مديرة التربية غنيمة آيت إبراهيم، وحملت بين طياتها بعض الحكمة والشعر والنصوص التثقيفية.
افتتح الأستاذ هلال المجلة بجملة من الحكم، حاول من خلالها التعريف بأساسيات الأمور في الحياة، وأهمية العلم في المجتمعات. كما طاف بعالم الحب والعلاقات، قائلا: "أول العلم الصمت، والثاني الاستمتاع، والثالث الحفظ، والرابع العمل به، والخامس نشره". و«لا يكون الإنسان عالما إلا إذا كان فاهما، ولن يكن فاهما إلا إذا استرسل الفهم للناس".
رسالة عميقة في الصبر
اختار الأستاذ أن يحوم في عوالم الصبر، مظهرا وجوب التشبث به من خلال قصيدة "يا بائع الصبر" لعروة بن الزبير المحب لله. ولروعتها اخترنا التعريف بما كان فيها ومنها، فقد خرج عروة لأداء الحج، وفي الطريق مرض "الغرغرينا"، فبُترت ساقه، وتوفي يومها أحد أبنائه، فقد جهّز عروة للسفر من المدينة النبوية إلى دمشق، واستعان بالله وأخذ أحد أولاده معه (وقد كان أحب أبنائه السبعة إليه) وتوجه إلى الشام، فأصيب في الطريق بمرض في رجله، أخذ يشتد حتى دخل دمشق محمولاً، لم يعد لديه قدرة على المشي. انزعج الخلفية حينما رأى ضيفه يدخل عليه دمشق بهذه الصورة، فجمع له أمهر الأطباء لمعالجته من" الآكلة" (ما تسمى في عصرنا هذا الغرغرينا) وليس هناك من علاج إلا بتر رجله من الساق، فلم يعجب الخليفة هذا العلاج ولكن الأطباء أكدوا أنه لا علاج له إلا هذا وإلا سرت إلى ركبته حتى تقتله، فأخبر الخليفةُ عروةَ بقرار الأطباء، فلم يزد على أن قال: (اللهم لك الحمد). اجتمع الأطباء على عروة وقالوا: "اشرب المرقد"، فلم يفعل، وكره أن يفقد عضواً من جسمه بدون أن يشعر به، قالوا: "فاشرب كأسا من الخمر حتى تفقد شعورك"، فأبى مستنكراً ذلك وقال: "كيف أشربها وقد حرمها الله في كتابه؟!"، قالوا: "فكيف نفعل بك إذا؟"، قال: "دعوني أصلّ، فإذا أنا قمت للصلاة فشأنكم وما تريدون". وقد كان رحمه الله إذا قام يصلي سها عن كل ما حوله وتعلق قلبه بالله تعالى، فقام يصلي وتركوه حتى سجد، فكشفوا عن ساقه فأخذوا المنشار وأعملوه في العظم حتى بتروا ساقه وفصلوها عن جسده وهو ساجد لم يحرك ساكناً وكان نزيف الدم غزيرا، فأحضروا الزيت المغلى وسكبوه على ساقه ليتوقف نزيف الدم، فلم يحتمل حرارة الزيت، فأغمي عليه. في هذه الأثناء أتى الخبر من خارج القصر بأن ابن عروة بن الزبير كان يتفرج على خيول الخليفة وقد رفسه أحد الخيول، فقضى عليه وصعدت روحه إلى بارئها! فاغتم الخليفة كثيراً من هذه الأحداث المتتابعة على ضيفه، واحتار كيف يوصل له الخبر المؤلم عن انتهاء بتر ساقه، ثم كيف يوصل له خبر موت أحب أبنائه إليه.
ترك الخلفية عروة بن الزبير حتى أفاق، فاقترب منه وقال: "أحسن الله عزاءك في رجلك"، فقال عروة: "اللهم لك الحمد، و«إنا لله وإنا إليه راجعون"، قال الخليفة: "وأحسن الله عزاءك في ابنك"، فقال عروة: "اللهم لك الحمد، و"إنا لله وإنا إليه راجعون"، أعطاني سبعة وأخذ واحداً، وأعطاني أربعة أطراف وأخذ واحداً، إن ابتلى فطالما عافا، وإن أخذ فطالما أعطى، وإني أسأل الله أن يجمعني بهما في الجنة". وقال في مطلع القصيدة: "
ا بائع الصبر لا تُشفِق على الشَّاري
فدِرهمُ الصبر يسوى ألفَ دينارِ
لا شيء كالصبر يشفي جُرحَ صاحبِهِ
ولا حوى مثلَهُ حانوتُ عطّارِ
هذا الذي تُخمِدُ الأحزانَ جُرعتُهُ
كبارِدِ الماءِ يُطفِي حِدَّة النارِ
ويَحفَظُ القلبَ باق في سلامتِهِ
حتى يُبَدَّلَ إِعسارٌ بإيسارِ
إنَّ السلامةَ كنزٌ كلُّ خردلة
منهُ تُقَوَّمُ من مال بقنطارِ".
كما تطرق الأستاذ حميد هلال أيضا في مجلته لأن الإنسان مدني الطبع، يحتاج مساعدة بني جنسه للوقوف في وجه الأزمات، معرجا على أهمية الغذاء في حياتنا وبناء أجسامنا. وأشار إلى الطباع البشرية واختلافها ممثلا بخفة الدم، التي قال إنها تنقبض في بعض البلاد جريا وراء تقاليدها وعرفها ونظام المجتمع فيها، مشيرا إلى أن الشرق الأدنى الذي يضم البلاد العربية ومصر وشمال إفريقيا، يضرب الرقم القياسي في خفة الدم، قائلا: "هي فن يتطلب حذقا وبراعة وسرعة خاطر ولباقة وحسن اختيار للظروف ومختلف الأوضاع، فخفاف الدم من الأبرياء يتزودون بالمادة بالاطلاع الغزير، ثم يختارون في مجالسهم ومنتدياتهم نوع الأدب المرهف اللطيف خفيف الوقع على الأذن والنفس والذوق والقلب".