مختصون يحذون من السقوط في فخ المعلومات المغلوطة
أمهات يعتمدن على "شات جي بي تي" لتربية الطفل الأول
- 184
نور الهدى بوطيبة
تتسارع اليوم، التكنولوجيا بوتيرة غير مسبوقة، وأحيانا مقلقة، هذا ما يردده العديد من الخبراء في مجالات متعددة، حيث بات ما يعرف بالذكاء الاصطناعي، يتحول من مجرد أداة تستخدم داخل الشركات، إلى جزء من تفاصيل الحياة اليومية للكثيرين، بل ويعتمدون عليها لتسيير حياتهم حتى الاجتماعية، وباتت تستغل في كثير من الوظائف اليومية، من تنظيم المواعيد، إلى البحث عن المعلومات، ومن المساعدة في الأعمال، إلى تقديم اقتراحات في الطبخ والتعليم وتنظيم الأسفار، حتى وصل حضوره إلى أكثر الجوانب حساسية في حياة الإنسان، وهي تربية الطفل، إذ يعكس هذا التحول تغيرا عميقا في طريقة تعامل الأسر مع المعرفة، خاصة لدى الأمهات اللواتي يواجهن للمرة الأولى، مسؤولية رعاية طفل، فيجدن أنفسهن أمام كمّ هائل من النصائح المتناقضة أحيانا بين الأقارب، فيلجأن إلى تطبيقات من الذكاء الاصطناعي، بحثا عن إجابات سريعة ومفهومة، تساعدهن على تجاوز القلق اليومي، متناسيات الخطأ المحتمل الذي قد ترتكبه الآلة.
هذا الواقع الجديد لم يعد استثناء، بل أصبح ظاهرة اجتماعية ملفتة للنظر، فالعديد من النساء بتن يعتمدن على تطبيقات، مثل "شات جي بي تي"، وغيرها من الذكاء الاصطناعي، للحصول على تفسيرات حول الرضاعة، النوم، التغذية، التعامل مع بكاء الرضيع ومتابعة مراحل النمو، حتى أنها تبدأ في مراحل أولى من الحمل، ويزداد هذا الاعتماد بشكل واضح مع الطفل الأول، حيث تكون التجربة جديدة بالكامل، ويكون الخوف من ارتكاب الأخطاء حاضرا بقوة، ورغم أن هذه الأدوات توفر معلومات فورية بلغة بسيطة، إلا أن المختصين يشددون على أن دورها يجب أن يبقى مكملا للاستشارة الطبية، وليس بديلا عنها، خاصة عندما يتعلق الأمر بصحة الأطفال، لاسيما وأن الآلة تبقى مجرد آلة، عبارة عن محرك بحث واحتمال خطئه وتقديم نصيحة مضرة عالٍ جدا.
بين الإيجابية والقلق
حول هذا الموضوع، يؤكد محمد بن يحيى عسيل، طبيب الأطفال، أن الذكاء الاصطناعي غيّر طريقة وصول الأمهات إلى المعلومات الصحية، حيث كانت في زمن مضى، تعتمد المرأة في تجربتها الأولى على نصيحة أمها بالدرجة الأولى، والجدة، ثم أم الزوج، وما إلى ذلك من أقارب خاضوا التجربة قبلها، لكن اليوم، كثير منهن يدخلن إلى العيادةو وهن يحملن معرفة أولية حول حالة حملهنو أو الحالة التي يعاني منها الطفل، وهو أمر قد يكون إيجابيا عندما تكون المعلومات صحيحة، لكنه قد يتحول إلى مصدر قلق، عندما تعتمد الأم على إجابات عامة لا تراعي خصوصية كل حالة، ويشير إلى أن الطفل الأول يمثل المرحلة الأكثر حساسية بالنسبة للوالدين، خصوصا الأم، حيث يكون القلق طبيعيا، لاسيما إذا واجه الرضيع مشكلا جديدا، فيكون البحث المستمر عن الطمأنينة، السبب الرئيسي في اللجوء إلى هذه التطبيقات عدة مرات خلال اليوم.
ويضيف أن الذكاء الاصطناعي، يستطيع تفسير المعلومات الطبية المعقدة بلغة سهلة، كما يمكنه تقديم نصائح عامة حول العناية بالرضيع، مثل طرق التجشؤ، وتنظيم النوم، وأهمية الرضاعة الطبيعية، ومراحل النمو المتوقعة، أو حتى تكملة بعض المعلومات التي يقدمها الطبيب المعالج، أو فهم مصطلحاتها بلغة بسيطة، لكنه لا يستطيع إجراء فحص لحالة معينة، ولا يمكنه ملاحظة علامات دقيقة، قد يكشف عنها الطبيب أثناء المعاينة المباشرة، لذلك تبقى الاستشارة الطبية الركيزة الأساسية في متابعة صحة الطفل.
وتنسجم هذه الرؤية، حسب محدث "المساء"، مع ما تؤكده منظمة الصحة العالمية، التي تشدد على أن المعلومات الصحية الرقمية، يمكن أن تساهم في تعزيز الوعي الصحي لدى السر، لكنها لا تعوض التشخيص الطبي المباشر، حيث جاء هذا التشديد، يضيف، بعد ملاحظة الاعتماد الكبير على تلك المراجع، التي يمكن أن تكون غير موثوقة، خاصة عند ظهور أعراض تستدعي التقييم السريري أو التدخل العلاجي، لعدم اتخاذ قرارات علاجية، بناء على المعلومات العامة فقط.
وأكد الطبيب، أن السنوات الأولى من حياة الطفل، تشهد تغيرات سريعة في النمو الجسدي والعصبي والسلوكي، وهو ما يجعل المتابعة الدورية مع طبيب الأطفال ضرورة لا يمكن تعويضها بأي وسيلة رقمية، لأن الطبيب يقيم النمو بشكل شامل، وفق خصوصية كل طفل، ويراقب الوزن والطول والتطور الحركي واللغوي، ويكتشف مبكرا أي مؤشرات تستدعي التدخل المبكر، لضمان العلاج أو حل المشكل، سواء كان صغيرا أو معقدا.
ويرى المختص، أن انتشار الذكاء الاصطناعي في الحياة اليومية، يعكس تغيرا في مصادر الثقة التي تعتمد عليها الأسرة اليوم، ففي السابق، كانت الأمهات يستندن بشكل أساسي إلى نصائح الأم، الجدة أو القريبات، أما اليوم، فقد أصبح الهاتف الذكي المرجع الأول لدى كثير من النساء، خصوصا في المدن الكبرى، حيث تتراجع العلاقات الاجتماعية المباشرة، وتزداد وتيرة الحياة اليومية، ويصبح الحصول على إجابة خلال ثوان، أكثر سهولة من انتظار موعد طبي أو استشارة أحد أفراد العائلة.
كما ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي، يقول الطبيب عسيل، في تعزيز هذا السلوك، إذ أنه بسبب انتشار مقاطع مصورة وتجارب شخصية حول تربية الأطفال، وبذلك يتم خلق نوع من قاعدة بيانات، يعتمد عليها الذكاء الاصطناعي، ليعيد ترتيب تلك المعلومات ويقدمها بصياغة مختلفة وسريعة، وهو ما يمنح الأم شعورا بالثقة والقدرة على التعامل مع المواقف اليومية، غير أن المختصين يحذرون من تحويل هذه الثقة إلى اعتماد كامل، لأن كل طفل يختلف عن الآخر، من حيث التاريخ الصحي والظروف البيئية والاستجابة للعلاج.
ويرى الدكتور محمد بن يحيى عسيل، أن الاستخدام الأمثل لهذه التقنيات، يتمثل في اعتبارها وسيلة للتثقيف الصحي، تساعد الأم على فهم المصطلحات الطبية والاستعداد للزيارة الطبية، وطرح الاسئلة المناسبة، كما يمكنها المساعدة في تنظيم مواعيد اللقاحات، وفهم التعليمات التي يقدمها الطبيب، وتفسير بعض السلوكيات الطبيعية التي ترافق مراحل النمو، لكنها لا يجب أبدا أن تُستخدم لاتخاذ قرارات، تتعلق بالأدوية أو تشخيص الأمراض أو تأخير مراجعة الطبيب عند ظهور أعراض مقلقة.