بين الحضانة وبيت الجدة

أمهات في رحلة بحث عن رعاية آمنة لأطفالهن

أمهات في رحلة بحث عن رعاية آمنة لأطفالهن
  • 165
نور الهدى بوطيبة نور الهدى بوطيبة

لا تقتصر قائمة استعدادات العائلات، مع الدخول الاجتماعي، على شراء الأدوات المدرسية وتجديد الملابس وترتيب مواعيد الدراسة، فهناك أسر تبدأ موسما آخر لا يقل أهمية، إذ يدور السؤال حول الشخص الذي سيعتني بالطفل الصغير خلال ساعات غياب الوالدين، وبين حضانة قريبة من المنزل، ومربية تستقبل الطفل في بيتها أو تأتي إلى منزل الأسرة، وجدة يمكن الاعتماد عليها، وقريبة تتولى المهمة، تتعدد الحلول التي تبحث عنها العائلات بحسب ظروفها، وإمكانياتها وطبيعة حياتها اليومية، ليصبح اختيار مكان رعاية الطفل قرارا ذا أهمية قصوى، ويحمل في تفاصيله، الكثير من الحسابات المادية والتربوية والعائلية، خاصة للأمهات العاملات. 

تكشف الحياة اليومية للأسر، أن المسألة أكثر أهمية، فالحاجة إلى الحضانة لا تعني بالضرورة أن الأم تعمل خارج المنزل، كما أن بقاء الأم في البيت، لا يعني دائما أن وجود الطفل معها طوال اليوم، هو الخيار الوحيد أو الأنسب بالنسبة لها.

في رحلة بحث لا تتوقف، حتى حين إيجاد الشخص الصحيح، أو دور الحضانة المناسبة، تتقاسم هذه الرحلة أمهات عاملات، وحتى غير عاملات، يخترن بعض الأمهات الماكثات بالبيت للحضانة، حتى يمنحن الطفل فرصة للعب والاختلاط والتعود التدريجي على وجود أشخاص آخرين، فيما تحتاج أخريات إلى تنظيم يومهن أو متابعة الدراسة أو إنجاز التزامات مختلفة، بينما تفضل أسر أخرى، أن يبقى الطفل داخل محيط العائلة، لدى الأم أو الجدة أو إحدى القريبات، وبين هذه الخيارات، يبقى السؤال المقلق؛ كيف يتم اختيار الشخص الذي ستأتمنه العائلة على طفلها؟ وهل السعر جيد، أم الثقة، أو المكان القريب، والأهم طريقة تعامل المربية مع الأطفال؟

حول هذا الموضوع، تكشف شهادات الأمهات، أن الاختيار لا يبدأ عادة من الأسعار، وإنما من سؤال أكثر حساسية، هل يمكن أن أترك طفلي وأنا مطمئنة؟ فالأم التي تبحث عن حضانة لا تنظر فقط إلى عدد الساعات التي سيقضيها طفلها هناك، وإنما تحاول معرفة من سيستقبله عند الباب، من سيطعمه، ومن سيتعامل معه إذا بكى أو مرض أو رفض الأكل، خصوصا إذا كان دون عمر الأربع سنوات، وكيف ستتعامل المربية مع اختلاف الأطفال في طباعهم وحاجاتهم؟ لذلك تتقاطع آراء الكثير من الأمهات عند فكرة واحدة، أن الثقة هي الشرط الأول، ثم تأتي بعدها بقية التفاصيل، حتى وإن اختلفت قدرة كل أسرة على تحمل التكاليف.

وتقول أمهات عاملات في حديثهن لـ"المساء”، إن الحضانة بالنسبة إليهن ليست ترفا أبدا، وإنما جزء من تنظيم الحياة اليومية وضرورة لا مفر منها، خصوصا عندما تتزامن ساعات العمل مع غياب شخص بالغ من العائلة، يستطيع رعاية الطفل، فاختيار الحضانة في هذه الحالة، حسبما أكده عدد منهن، يرتبط بالاستمرارية والانضباط قبل أي شيء آخر.

ترى أمهات أخريات، أن وجود فرد من العائلة، يمنح الطفل شعورا أكبر بالأمان، لاسيما في السنوات الأولى من عمر الطفل، هذا ما أشارت إليه وسام، التي أكدت أن الاعتماد على أمها أو حماتها، يبقى الخيار الأنسب، لاسيما وأن الطفل يبقى داخل محيطه، بعيدا عن أي احتمال خطر خارجي، مشددة على أن هذا الخيار يبقى نسبيا لدى الكثيرين، خصوصا أن بعض الجدات مثلا، لا يرغبن في تحمل تلك المسؤولية يوميا، في حين أن بُعد المسافة أحيانا أخرى، يشكل عائقا للأبويين لاصطحاب الطفل من وإلى البيت.

من جهة أخرى، أشارت أخريات في حديثهن، إلى أن المربية المنزلية هي خيارهن الأنسب، لأنها تمنح الطفل رعاية أكثر فردية، وتسمح للعائلة بمتابعة تفاصيل يومه عن قرب، هذا ما قالته وفاء عاملة، مشيرة إلى أن المربية الشخصية خيار مثالي، لكن لابد أن يكون مرتبطا بشرط ذي أهمية قصوى، وهو الثقة في ذلك الشخص، لأن عادة بعض المربيات يعملن لحسابهن الشخصي، أي لا وجود لأي وثيقة توضح العلاقة أو نوعية النشاط، وعليه لابد أن تكون الأم مطمئنة بأن الشخص الذي يتحمل مسؤولية رعاية طفلها في غيابها، يكون في مستوى تلك الثقة الممنوحة، وأنه يحسن معاملته، إطعامه، ورعايته، وحمايته من أي خطر، وعدم إهماله.

ويبدو أن دور الحضانة لم تعد حكرا على الأمهات العاملات، فهناك أمهات لا يعملن خارج المنزل، ويخترن بدورهن إدخال أطفالهن إلى الحضانة لساعات محددة، وهنا تظهر زاوية اجتماعية كثيرا ما تغيب عن النقاش، وهي أن الأم غير العاملة، قد تحتاج هي أيضا إلى تنظيم وقتها، هذا ما أكدته العديد من الأمهات غير العاملات، واللواتي أكدن اعتمادهن على دور الحضانة، لمساعدتهن في رعاية أطفالهن، إذ ترى كل منهن، أن الحضانة مساحة مهمة للطفل نفسه، وليس فقط وسيلة لرعاية مؤقتة، خصوصا إذا كانت الحضانة توفر أنشطة مناسبة لعمره، وتتيح له الاحتكاك بأطفال آخرين وتدريبه تدريجيا على الانفصال عن محيط الأسرة.

جودة الخدمة عامل حاسم

من جهتها، قالت مريم، مربية، إن جودة خدمات الحضانة أو البيئة التي تترك فيها الأم طفلها، هي العامل الحاسم لاختيار المكان، وأن توفير أماكن أكثر لا يكفي، إذا لم تكن لا تقتصر قائمة استعدادات العائلات، مع الدخول الاجتماعي، على شراء الأدوات المدرسية وتجديد الملابس وترتيب مواعيد الدراسة، فهناك أسر تبدأ موسما آخر لا يقل أهمية، إذ يدور السؤال حول الشخص الذي سيعتني بالطفل الصغير خلال ساعات غياب الوالدين، وبين حضانة قريبة من المنزل، ومربية تستقبل الطفل في بيتها أو تأتي إلى منزل الأسرة، وجدة يمكن الاعتماد عليها، وقريبة تتولى المهمة، تتعدد الحلول التي تبحث عنها العائلات بحسب ظروفها، وإمكانياتها وطبيعة حياتها اليومية، ليصبح اختيار مكان رعاية الطفل قرارا ذا أهمية قصوى، ويحمل في تفاصيله، الكثير من الحسابات المادية والتربوية والعائلية، خاصة للأمهات العاملات. 

نور الهدى بوطيبةالسنوات الأولى، وخصوصا الفترة التي تسبق سن الثالثة، مرحلة حساسة من النمو، وأن توسع خدمات رعاية الأطفال أصبح مرتبطت، ليس فقط بحاجة الأولياء إلى العمل، وإنما أيضا بالاعتراف بأهمية التربية والرعاية المبكرة، ملفتة إلى أن تعدد أشكال الرعاية، من الحضانات إلى الرعاية المنزلية، قد يؤدي إلى اختلافات في مستوى الجودة، وهو ما يجعل اختيار الأسرة لا يرتبط فقط بوجود مكان شاغر للطفل، وإنما بما يقدمه هذا المكان فعليا له، والاطمئنان الذي تبحث عنه الأم، أكبر من مجرد وجود مراقبة أو نظافة المكان، فالأمان الحقيقي بالنسبة إليها يبدأ من معرفة عدد الأطفال، مقارنة بعدد المربيات، لضمان رقابة لجميع الأطفال على السواء في مكان واحد، وطبيعة التكوين الذي حصلت عليه العاملات، وكيفية التعامل مع بكاء الطفل أو غضبه، ونوعية الطعام المقدم له، ووجود مساحة مناسبة للحركة واللعب، وطريقة التعامل مع النوم والنظافة، ومدى احترام خصوصية الطفل، وهي تفاصيل قد تبدو صغيرة عند التسجيل، لكنها تصبح أساسية عندما يتحول المكان إلى جزء يومي من حياة الطفل.

وتتحدث بعض الأمهات، عن عامل آخر لا يقل أهمية، هو المسافة، فالحضانة القريبة من المنزل أو مقر العمل، يمنح الأسرة مرونة أكبر في حالات المرض أو التأخر أو الظروف الطارئة، بينما ترى أمهات، أن سمعة الحضانة وتجارب الأمهات السابقات معها، أهم من موقعها، لذلك تنتقل التوصيات في كثير من الأحيان، من أم إلى أخرى، وتتحول تجربة عائلة واحدة إلى معيار تبحث عنه عائلات أخرى، قبل اتخاذ القرار. ولا تزال الجدة تحتفظ بمكانة خاصة في اختيارات عدد من الأسر، ليس فقط لأنها حل أقل تكلفة في بعض الحالات، إنما لوجود شخص من العائلة يمنح الأبوين شعورا فريدا بالثقة، غير أن الاعتماد عليها قد يكون مرتبطا أيضا بظروفها الصحية وعمرها وطاقتها، وقدرتها على متابعة طفل صغير طوال اليوم، وهو ما يجعل بعض العائلات تميل إلى الجمع بين أكثر من خيار، فيقضي الطفل جزءا من اليوم في الحضانة، ثم تتولى الجدة أو إحدى القريبات رعايته بعد ذلك.