الأطفال يصنعون الفرجة قبل حلول العيد
أضاحيُّ بأسماء وقصات صوف وألوان نوادٍ كروية
- 215
نور الهدى بوطيبة
تشهد البيوت الجزائرية، أياما قبل عيد الأضحى، مشاهد لا تشبه باقي أيام السنة، تطبعها فرحة الصغار قبل الكبار، وتمنح المناسبة طابعا إنسانيا واجتماعيا خاصا، فما إن تدخل الأضحية إلى البيت، حتى يبدأ الأطفال في الاقتراب منها بحذر، ممزوج بالفضول، ينظرون إليها طويلا، يراقبون حركتها، ويحاولون لمس صوفها لمن يراها لأول مرة، لتتحول بعد ساعات قليلة، من خروف جاء كأضحية للعيد، إلى رفيق جديد يحتل مساحة كبيرة من اهتمامهم وحديثهم، وحتى مشاعرهم الجميلة.
تحمل هذه العلاقة، التي تتكون بين الطفل والأضحية، معاني أكبر من مجرد لحظات لعب عابرة، فهي صورة اجتماعية ارتبطت لسنوات طويلة بذاكرة العيد داخل المجتمع الجزائري، حيث كان حضور الخروف في البيت قبل العيد بعدة أيام، يفتح الباب واسعا أمام الصغار، لصنع تفاصيلهم الخاصة معه، فيعيشون تجربة مليئة بالحماس والضحك والعاطفة، حتى يصبح وداعه يوم العيد، لحظة تختلط فيها مشاعر الفرح بالحزن، تصل إلى البكاء عند بعضهم، وأحيانا حتى الأكبر سنا.
وفي جولة استطلاعية وسط عدد من العائلات، تظهر هذه الصور بوضوح، رغم تراجعها في بعض البيوت، الطفل آدم، البالغ من العمر ثماني سنوات، كان يقف بجانب خروف العائلة، وهو يضع يده فوق ظهره قائلا بفخر: “هذا صديقي”، أما الطفلة لينا، فقد اختارت له اسما مستوحى من لاعبها المفضل في كرة القدم، وكانت تصر على مناداته بذلك الاسم في كل مرة تقترب منه.
وفي حي آخر، تحدثت أم عن تعلق ابنها الشديد بالخروف، حيث كان يرفض النوم قبل الاطمئنان عليه، ويتأكد من وجود الماء والأكل أمامه، وفي بيت آخر، اجتمع عدد من الأطفال حول أضحية الجيران، وهم يضعون قليلا من الحناء عليه، وسط ضحكات وتعليقات بريئة، بينما قام طفل آخر بتلوين جزء من صوفه بألوان فريقه المفضل، في محاولة بسيطة لتحويله إلى جزء من عالمه الصغير، وعكس تعلقه بفريقه الكروي.
مثل هذه التصرفات كانت في الماضي ولا تزال اليوم، جزء طبيعي من أجواء ما قبل العيد، إذ كان الأطفال يخرجون مع أضاحيهم أمام البيوت أو يتجولون بها وسط الأحياء، يمشون معهم، يتباهون بهم أمام الأصدقاء، ويقارنون بينهم من حيث الشكل والحجم وحتى طريقة الحركة، البعض كان يربط شريطا ملونا حول عنق الخروف، والبعض الآخر يلتقط معه الصور أو يجلس بجانبه لساعات طويلة، وكأنه فرد جديد من العائلة.
ولم تكن تلك العلاقة تقتصرة على الأطفال فقط، بل تمتد في كثير من الأحيان إلى فئة المراهقين، وحتى بعض الشباب، الذين يجدون هم أيضا متعة خاصة في الاهتمام بالكباش قبل العيد، فبعضهم يقوم بقص الصوف بطريقة مميزة، ويمنح الكبش شكلا مختلفا يجعله ملفت للانتباه، بينما يختار آخرون تلوين جزء من صوفه بألوان فرقهم الكروية المفضلة، أو باللونين الأخضر والأبيض مع الهلال والنجمة، تعبيرا عن حبهم للجزائر، وفي بعض الأحياء، لاسيما الشعبية، أصبحت هذه التفاصيل جزء من المنافسة الودية بين الشباب، كل واحد يحاول أن يظهر كبشه بطريقة مميزة، والأكثر طرافة، أن بعض الكباش تعتاد فعلا على أصحابها بعد أيام من الاهتمام اليومي، فتراها تمشي وراءهم، وتتعرف على صوتهم، وتتبعهم داخل الحي، أو أمام البيت وكأنها تعرف صاحبها من بين الجميع ولا خوف عليها من الفرار بعيدا.
وفي حديث مع مختص في علم الاجتماع، مصطفاوي مشكر، أوضح أن هذه العلاقة ليست لعبة موسمية، بل تعكس شكلا من أشكال التربية الاجتماعية والعاطفية داخل الأسرة، فالطفل حين يهتم بالحيوان ويعتني به ويمنحه اسما مثلا، فهو يتعلم بشكل غير مباشر معنى المسؤولية والرحمة والارتباط، كما أن مشاركته في تفاصيل العيد منذ الأيام الأولى، تساعده على بناء ذاكرة اجتماعية قوية، ترتبط بالعائلة والمناسبة والقيم المشتركة.
ويرى المختص، أن هذه الظاهرة بدأت تتراجع بشكل واضح، مقارنة بالماضي، ليس لأن الأطفال فقدوا قدرتهم على التعلق، بل لأن نمط الحياة نفسه تغير، فالهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية أصبحت تستحوذ على جزء كبير من وقتهم، كما أن السكن داخل العمارات والمساحات الضيقة، لم يعد يسمح بنفس الحرية التي كان يعيشها أطفال الأحياء القديمة، إضافة إلى ذلك، أصبحت بعض العائلات تقتني الأضحية في وقت متأخر جدا، أحيانا يوما أو يومين قبل العيد، لغلاء أسعارها، على أمل تراجعها عشية العيد، مما يقلل فرصة تكوين تلك العلاقة التي كانت تحتاج إلى أيام من القرب والتفاعل، أحيانا قبل أسابيع من عيد الأضحى المبارك.
ويشير المختص، إلى أنه ورغم هذا التراجع، ما تزال بعض البيوت تحافظ على هذه العادة الجميلة، حيث يحرص الكثير من الآباء على منح أطفالهم فرصة عيش تفاصيل، ربما تبدو بسيطة، لكنها تصنع ذكريات لا تنسى، فبين اسم يختاره طفل، ولمسة حناء تضعها طفلة، وخطوات صغيرة ترافق خروفا في زقاق الحي، تولد قصص بريئة تجعل من عيد الأضحى أيضا، مساحة حقيقية لصناعة الذكريات والانتماء والدفء الأسري والاجتماعي، والتميز ببعض العادات الجميلة خلال هذه المناسبات العظيمة.