وجبة تقليدية تفننت فيها أنامل النساء

أصالة "المحاجب" تخرج من مطبخ العائلة إلى الشارع

أصالة "المحاجب" تخرج من مطبخ العائلة إلى الشارع
  • 299
 رشيدة بلال رشيدة بلال

تحولت صناعة العجائن التقليدية، خلال السنوات الأخيرة، إلى واحدة من المهن التي تستقطب اليد العاملة، بعدما لم تعد حكرا على النساء، بل اقتحمها الرجال أيضا، وبرعوا في تحضير مختلف أنواع المعجنات التي كانت إلى وقت قريب، من اختصاص المرأة الجزائرية داخل المطبخ العائلي، وأمام هذا التحول، اختارت الحرفية أحلام، ابنة ولاية البليدة، خوض تجربة مهنية مختلفة، من خلال إخراج هذه “الصنعة” من المنزل إلى محل صغير، تمارس فيه حرفتها وفق الأصول التقليدية، وتسعى من خلاله إلى إعادة الاعتبار لهذا الموروث الغذائي، والحفاظ على مكانته في أيدي النساء.

اختارت الحرفية أحلام مسرين، ابنة بلدية البليدة، الانتقال إلى بلدية العفرون، لممارسة نشاطها الحرفي، بعدما واجهت صعوبات في الاسترزاق من حرفتها على مستوى مدينة البليدة، في ظل الانتشار الكبير لمحلات صناعة العجائن التقليدية، التي بات الرجال ينشطون فيها بقوة. ولأجل الترويج لمنتوجها وتمكينه من الوصول إلى الزبائن، استأجرت محلا صغيرا بالعفرون، حولته إلى فضاء لتحضير “المحاجب” ومختلف أنواع العجائن التقليدية، مستعينة بخبرتها وشغفها بهذا المجال.

وعلى الرغم من نشاطها في مجال الصحة، فإن حب أحلام للحرف التقليدية، خاصة ما تعلق منها بصناعة العجائن، ورغبتها في إيجاد مورد رزق إضافي يساعدها على تلبية احتياجات عائلتها الصغيرة، دفعاها إلى احتراف هذه “الصنعة”، التي لطالما أبدعت فيها. وأكدت، في حديثها إلى “المساء”، بأن هذا النشاط، رغم ما يتطلبه من جهد وتعب، يدر عليها مدخولا معتبرا، بالنظر إلى الإقبال الكبير على هذا النوع من المعجنات التقليدية.

وأوضحت المتحدثة، أنها تنشط في تحضير مختلف أنواع العجائن، على غرار “المطلوع”، غير أن “المحاجب” تبقى الأكثر طلبا وشعبية لدى مختلف شرائح المجتمع، وهو ما جعل محلها الصغير يتحول إلى ما يشبه مطبخا مفتوحا في الهواء الطلق، يجد فيه الزبون وجبة ساخنة يمكنه تناولها داخل المحل أو أخذها معه إلى المنزل.

وتحرص أحلام على الحفاظ على الوصفة التقليدية، التي تشتهر بها مدينة البليدة في تحضير “المحاجب”، خاصة ما تعلق منها بإعداد الصلصة المكونة من الطماطم والبصل والفلفل الأحمر والأسود، حيث يتم قلي المكونات وتركها تطهى على نار هادئة دون إضافة الماء، حفاظا على نكهتها وقوامها. أما العجين، فتوضح أنها تعتمد في تحضيره على المزج بين السميد والفرينة، للحصول على القوام المناسب، الذي يمنح “المحاجب” المذاق المميز.

الطلب المتزايد شجعها على توسيع نشاطها

ترى الحرفية أحلام، أن دخول الرجال إلى مجال صناعة وبيع مختلف أنواع العجائن التقليدية، جعل النساء يتحولن، في كثير من الأحيان، إلى زبونات، وهو ما دفعها إلى التفكير في إعادة الاعتبار لهذا النشاط النسوي، من خلال إخراجه من المطبخ العائلي، إلى فضاء مهني مفتوح أمام الزبائن. وأكدت أن قرارها باستئجار محل لم يكن مجرد خطوة لتحسين مدخولها، بل جاء أيضا رغبة منها في الحفاظ على هذه الحرفة التقليدية، وتشجيع النساء على احترافها.

وأشارت إلى أن الطلب على “المحاجب” يرتفع في مواسم معينة، خاصة في فصلي الخريف والشتاء، بينما ينتعش خلال فصل الصيف على مستوى الشواطئ، وهو ما يعكس، حسبها، المكانة التي لا تزال تحتلها هذه الأكلة الشعبية التقليدية لدى الجزائريين، رغم تغير أنماط الحياة وتراجع تحضير بعض الأطباق التقليدية داخل المنازل.

وأمام الإقبال المتزايد على منتوجها، تفكر أحلام في الالتحاق بغرفة الصناعة التقليدية والحرف، للحصول على شهادة تثبت ممارستها لهذا النشاط، بما يسمح لها بالاستفادة من الامتيازات والتسهيلات المتاحة للحرفيين، خاصة ما تعلق منها بالقروض، التي من شأنها مساعدتها على اقتناء بعض المعدات والعتاد الضروري لتطوير نشاطها والاستجابة للطلب المتزايد، لاسيما أنها تجمع بين وظيفتها في قطاع الصحة وعملها الحرفي، في محاولة منها للتوفيق بين مسؤولياتها المهنية والعائلية.

نشاط تقليدي يفتح أبواب الرزق أمام النساء

لا يقتصر نشاط أحلام، على تحضير “المحاجب” و”المطلوع”، بل تحرص على تكييف إنتاجها، حسب المناسبات، مستفيدة من تنوع العجائن والأطباق التقليدية التي تشتهر بها ولاية البليدة. ففي شهر رمضان، مثلا، توجه اهتمامها نحو تحضير “المطلوع” والحلويات المعسلة التي تعد من أبرز ما يميز المائدة الرمضانية بالمنطقة، بما يسمح لها بتنويع منتوجاتها والاستجابة لاحتياجات الزبائن خلال هذه الفترة. أكدت المتحدثة، أنها تمكنت بفضل هذه الحرفة التقليدية من توفير مصدر رزق إضافي، فضلا عن توظيف بعض العاملات، لمساعدتها على تلبية الطلبات، وهو ما تعتبره خطوة مهمة في تشجيع النساء على ولوج عالم الحرف التقليدية، وتحويل المهارات المنزلية إلى نشاط اقتصادي منتج.

وترى أحلام، أن خروج المرأة إلى العمل، وتزايد انشغالاتها اليومية، جعلا الكثير من الأكلات التقليدية التي كانت تحضر في المنازل، تتراجع أمام ضيق الوقت، الأمر الذي ساهم في ارتفاع الطلب على “المحاجب” وغيرها من المعجنات الجاهزة. ومن هذا المنطلق، تسعى إلى المساهمة في الحفاظ على هذه الحرفة ونقلها إلى فضاء مهني يسمح باستمرارها، مع فتح فرص عمل أمام النساء الراغبات في احترافها وتحقيق الاستقلالية المالية.