أجواء إيمانية وعادات منسية تعود في الشهر الفضيل
  • القراءات: 415
وردة زرقين وردة زرقين

رمضان في قالمة

أجواء إيمانية وعادات منسية تعود في الشهر الفضيل

تستغل العائلات القالمية حلول شهر رمضان المعظم، لإحياء العديد من العادات والتقاليد التي تمثل مقومات مجتمعنا، وباعتبار أن شهر رمضان فرصة للتقرب إلى الله عز وجل، والاقتداء بسنة رسول الله، وكذا للم شمل الأهل والأحباب، وفرصة أيضا لكل عائلة قالمية  لإعداد ما لذ وطاب من الأكلات الصحية التقليدية، والتفنن في عرضها لتفتح شهية الصائم أو استقبال الضيوف، في حين يبقى الرجوع إلى تلك العادات أمر يفرض نفسه على كل الأصعدة، فمن حيث تقاليد الطبخ، تتفنن ربات البيوت في تقديم الأصناف المختلفة من الأطباق الشعبية التقليدية، وكذا الجديدة، خلال هذا الشهر الفضيل.

يتميز المطبخ القالمي بأطباقه اللذيذة والصحية التي لا تغيب عن الموائد طوال الشهر الكريم، كما لا زالت بعض العادات الرمضانية في المجتمع القالمي حاضرة في شهر رمضان الفضيل، الذي يتميز عن بقية الأشهر بتنوع وكثرة الأطباق التي تعرضها ربات البيوت على مائدتها الرمضانية، بحيث تحاول العائلات من خلالها، الحفاظ على خصوصية هذه المناسبة الدينية، وعلى تراث وعادات الأجداد، بحيث تتنافس ربات البيوت في تحضير أشهى الأطباق الرمضانية.

أطباق تقليدية لا يمكن الاستغناء عنها

تعتبر "شوربة الفريك" المعروفة بـ"الجاري" مع "البوراك"، أو مع "البريكة" و"كسرة الرخسيس زينة الأطباق، ولا يمكن الاستغناء عنها طيلة الشهر الفضيل، كما تتزين الموائد الرمضانية يوميا بـ"الزلابية" التي يملك أغلب صانعيها خبرة واسعة بها، وتنتشر في المدينة العديد من المحلات التي تعرضها بهذه المناسبة، جعلت الزبائن يتزاحمون على شرائها من عين مخلوف ووادي الزناتي.

كما تحرص العائلات القالمية على تواجد الطبق التقليدي "الثريدة"، التي تعتبر من الأطعمة الرئيسية بالمنطقة، والتي تمد الجسم بالطاقة التي يفقدها الصائم طوال اليوم، حيث يتكون هذا الطبق من العجين واللحم والمرق، كما تتميز المائدة القالمية بـ"شخشوخة الظفر"، وهي أشهر أكلة شعبية تطبخ في المناسبات والأعياد، إلى جانب "الفطير" المعروف في المنطقة بـ"النعمة"، وهي عبارة عن عجينة تحضر يدويا ويضاف إليها المرق المكون من اللحم والخضروات، وتقدم هذه الأكلات الشعبية في منتصف الشهر الفضيل، أو في ليلة الـ27 المباركة من رمضان. من أكثر الأطعمة الصحية كذلك، والمصنفة ضمن الحلويات، وتقدم في السهرة؛ "المحلبي"، وهو عبارة أرز مطحون، مع حليب وسكر غني بالمنافع، بحيث لا يغيب عن صينية السهرة الرمضانية، أما عن طبق السحور فيبقى "المسفوف" الذي يتم إعداده من الكسكسي، بإضافة بعض الفواكه الجافة، كالزبيب والسكر، ويقدم مع اللبن، سيد المائدة.

تبادل الأطباق بين الجيران.. عادة تعكس كرم وجود سكان المنطقة

لازالت بعض العادات سائدة في قالمة، رغم تلاشيها نسبيا في السنوات الأخيرة، وباتت محصورة في بعض الجهات فقط، تترجم العلاقات المجتمعية الطيبة، وتتمثل في تبادل الأكلات الرمضانية، خاصة الشعبية منها، التي تندرج ضمن موروث اجتماعي عريق، خاصة في النصفية وليلة القدر، حيث يعتبر ناس قالمة، تبادل الأطباق بين الجيران والأحباب، عادة جميلة اكتسبت من الأجداد وتدل على الكرم والجود، اقتداء بسنة سيد الخلق عليه أزكى الصلوات والتسليم.

"لوزيعة".. مبدأ التضامن والتكافؤ بين أفراد المجتمع

تحتفل الأسر القالمية بنصفية رمضان، كنموذج عن عادات وتقاليد جزائرية موروثة، يجب المحافظة عليها، لأنها تساهم في التآزر والتراحم بين الناس، كما أن ليلة نصف شهر رمضان متميزة عن باقي الأيام، حيث تشتهر مناطق قالمة بـ"النفقة" أو ما يعرف "لوزيعة"، حيث يشترك عدد من السكان لشراء مجموعة من الذبائح، وتُجمع في مكان واحد، ثم تقطع وتوزع لحومها بالتساوي على العائلات بما يعرف بـ"السهم"، أي حصة الفرد، مع تخصيص حصص إضافية للعائلات المحتاجة والفقيرة، والتي لم تتمكن بدورها من المساهمة في عملية "لوزيعة"، تخلق بذلك جوا تضامنيا كبيرا لغرس روح التآزر بين أفراد المجتمع، وإعادة إحياء واحدة من تقاليد وعادات الأجداد، التي بدأت تندثر مع مرور الزمن. تتعمد بعض ربات البيوت إلى تحضير طبق من الأطباق التقليدية وتوجيهها إلى المساجد، كما تتضامن عائلات أخرى بتحضير وجبة كاملة لمائدة الإفطار، وتوجهها إلى المرضى في المستشفيات.

ختان الأطفال فرصة لإعادة اللمة

تستغل الكثير من العائلات القالمية النصفية من رمضان أو ليلة القدر لـ"ختان الأطفال، باعتبارها ليلة مباركة، يعتبرها البعض، فرصة مناسبة من أجل لم شمل الأهل والأحباب وتوطيد صلة الرحم بين الأقارب في السهرات الرمضانية، تغمرها أجواء الفرحة والسرور، وتفضل العديد من العائلات ليلة القدر، كمحطة لختان أطفالها، لما لهذه الليلة المباركة من قيمة معنوية كبيرة عند المسلمين، وتفاؤلا بالبركات، وباعتبارها موعدا تتضرع من خلاله العديد من الأسر إلى الله، من أجل حماية طفلها، مع أمل تربيته على الدين والطاعة.

بعد حجز موعد عند الجراح، وعقب صلاة التراويح، يرتدي الصغار لباسا تقليديا، وتخضب الحناء، وهي "حناء الختان" في أيدي الأطفال تحت أضواء الشموع وأغنية "حنة يا لحنينة" المشهورة، توزع الحلويات والمكسرات والعصائر والقهوة والشاي على الحضور، ويقدم المدعوون الهدايا للأطفال، إلى جانب النقود التي توضع في قطعة قماش مطرزة باللون الذهبي، وهي من التقاليد الراسخة لدى المجتمع القالمي، لتنطلق مراسيم الاحتفالات بختان الأطفال على وقع الزغاريد، مصحوبة بـ"الزرنة". كما تتكفل العديد من الجمعيات الخيرية المنتشرة عبر كامل تراب الولاية وذوي البر والإحسان، بإقامة حفلات "الطهارة" أو الختان الجماعي للأطفال الصغار من العائلات الفقيرة والمعوزة، وسط أجواء بهيجة، فضلا عن الهدايا والمبالغ المالية التي توزع عليهم. من جهة أخرى، يستغل البعض هذه المناسبة المباركة، وتقوم بعض العائلات بتزيين القعدات الرمضانية بخطبة الفتيات لأبنائهم، وإتمام مراسيم الخطبة في قراءة الفاتحة وقطع "الشرط"، أي المهر، للعروس.

صيام الأطفال لأول مرة .. فرحة لا تقدر بثمن

تحرص العائلات القالمية على تعويد أطفالها على الصيام لساعات، ثم لنصف يوم، حتى يتعودون على الصوم ليوم كامل، مما يجعل إشعار الأطفال بخوض تجربة الصيام، يسهل عليهم المهمة منذ الصغر، فتحتفي العائلات القالمية بصيام أطفالها لأول مرة بتزيين مائدة الفطور خصيصا لهم، بأشهى الأطباق والأكلات التي تستهويهم، فيما يفتخر الطفل الصائم بأهمية ما قام بإنجازه، وفرحة لدى العائلة لا تقدر بثمن.

أما عن صلاة التراويح، فبسبب انتشار الجائحة للعام الثاني، ورغم فتح المساجد وتخفيف الإجراءات بالسماح بأداء الصلاة جماعات وكذا صلاة التراويح، إلا أنه تم منع تقديم الدروس وتلاوة القرآن الكريم وإنشاد المدائح الدينية، وتقليص الصلاة إلى نصف ساعة.