هل ينجح الناتو في صد «التهديد»الروسي؟
مليكة خلاف مليكة خلاف

بين الدورين العسكري والسياسي

هل ينجح الناتو في صد «التهديد»الروسي؟

  تراهن منظمة الحلف الأطلسي على إضفاء بعد جديد لنشاطها خارج الحدود، من خلال تلبية طلبات الدول التي خرجت منهكة من المعارك الدامية سواء جراء التهديد الإرهابي أو النزاعات الداخلية، حيث تؤكد مصادر من داخل «الناتو» أن تواجد هذا الأخير خارج حدوده يكون بطلب من هذه الدول، التي تسعى لتعزيز قدراتها الأمنية لمجابهة التحديات التي تعترضها.

وفي هذا الصدد، يجمع الخبراء الذين التقوا الوفد الإعلامي الجزائري الذي أدى زيارة إلى مقر «الناتو» ببروكسل بحر الأسبوع الماضي، أن الحلف الأطلسي لا يتردد في تقديم خبراته للدول الشريكة، على غرار العراق الذي طلب منه مساعدته لتعزيز قدراته الأمنية والدفاعية، رغم أن المنظمة رفضت إرسال قواتها خلال غزو الولايات المتحدة لهذا البلد.

وحول طبيعة هذه المساعدة، أشار خبراء إلى أن القوات العراقية تلقت تدريبات في الأردن وتركيا خلال سنوات 2011 و2015

و2016، قبل إجرائها داخل البلاد خلال سنتي 2018 و2019، حيث تركزت على تلقين تقنيات محاربة ظاهرة الإرهاب.

وأوضح الخبراء أن عدد الأشخاص المعنيين بهذه التدريبات في تزايد مستمر وأكثرهم من المدنيين، إذ مكن ذلك من السيطرة على التنظيم الإرهابي «داعش»في العراق.

ولا يشمل نشاط «الناتو» الجانب العسكري فحسب، حيث يعمل على تعزيز الحوار السياسي على مستوى الدول التي تشهد نزاعات داخلية كأفغانستان، من خلال المساهمة في تقديم الدعم المالي المستدام للقوات الأفغانية، والذي يقدر سنويا بـ6 مليار دولار، في حين تقدر القيمة الممنوحة للحكومة الأفغانية بـ500 مليون دولار.

توقع حدوث تطورات مهمة في الأزمة الأفغانية هذا العام

ويرى الخبراء أن الطريق مازال مسدودا بين الحكومة الأفغانية

وطالبان، مما يجبر الطرفين على الذهاب إلى المفاوضات التي يجب أن تتسم بالمرونة، بالنظر إلى وجود فروقات في الآراء، مضيفين أن ضمان انتخابات قوية، من شأنه تعزيز العملية الديمقراطية، غير أنهم توقعوا في المقابل حدوث تطورات مهمة خلال هذا العام.

وفي ردهم على سؤال «المساء» حول الوساطة التي تقوم بها روسيا موازاة مع وساطة الولايات المتحدة الأمريكية لتسوية النزاع الأفغاني، أشار الخبراء إلى أن الدور الروسي يثير الكثير من الغموض رغم أن ما يحرك موسكو هو مصالح إستراتيجية في المنطقة، في حين تأسفوا لمحاولة التشويش على جهود التسوية ومحاولات تقريب وجهات النظر بين الحكومة وطالبان.

وبدا أن مسؤولي «الناتو» يضعون ألف حساب للتهديد الروسي، إذ على الرغم من محاولات عقد دورات الحوار مع موسكو، إلا أن هذه الأخيرة بينت «عدم احترامها للقانون الدولي»، حسب مصادر المنظمة، التي أشارت إلى أن محاولات التقريب مع روسيا لم تفض إلى أشياء كثيرة، حيث رفضت إشراكها في الإجراءات الأمنية المشتركة، مفضلة اتخاذ نهج مختلف، لاسيما بعد أن اعترفت امتلاكها للنظام الصاروخي. وهو ما يعد انتهاكا للاتفاقية المبرمة. علما أنه منحت لها فترة 66 يوما في ديسمبر 2018 من أجل الامتثال للقانون غير أنها لم تحترم ذلك.

وعليه يرى الخبراء أن أبرز تحد تواجهه المنظمة هو تقييم التبعات الناتجة عن انتهاك روسيا للالتزامات والأحكام التي تضمن أمن الحلفاء. وهو ما جعل «الناتو»يتبع نهجا مزدوجا يرتكز على تعزيز القوة الردعية في إطار المعاملة بالمثل، من خلال تعزيز قواته في شرق أوروبا وفق الالتزامات الدولية، وذلك بالموازاة مع التفتح على الحوار مع روسيا على ضوء الاجتماعات التي جمعت الجانبان في سنوات 2013، 2017، 2018  و2019.

وفي رده على سؤال «المساء» حول موقف «الناتو» من شراء الصواريخ الروسية (آس 400)، أوضح خبير من الحلف الأطلسي أن هذا القرار ليس سياديا لأية دولة، مضيفا أن الدول التي تتبع هذا النهج تتحمل المسؤولية وعليها احترام الإجراءات الأمنية المشتركة. وفي إجابته على سؤال آخر لـ»المساء» حول تهديدات الرئيس الروسي بوتين باستعمال الأسلحة الجديدة لمواجهة أي تحدي قد يعترض بلاده، أكد المصدر أن ذلك لا يشجع على توفير الظروف الأمنية المناسبة.

وأوضح أن الرئيس الروسي أجرى العام الماضي عرضا عسكريا، صرح خلاله بتنشيط بعض النظم العسكرية، مما يعزز الاحتقان ويهدد أمن الناتو الذي يعكف حاليا على تحليل الأوضاع وتبعات استخدام هذه الأسلحة الجديدة.

وفي سؤال لـ»المساء» حول موقف «الناتو» من قرار الإدارة الأمريكية الانسحاب من معاهدة الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى الموقعة مع الاتحاد السوفياتي سابقا سنة 1987. وما إذا كان ذلك بمثابة إعلان بداية لحرب باردة جديدة، أوضح الخبير أن الاتفاقية تنص على احترام عملية تدمير هذه النظم الصاروخية، مضيفا أن الولايات المتحدة الأمريكية ستضطر لتعليق التزاماتها في حين ستقوم روسيا بالمثل.

كما أشار إلى إمكانية تطوير معاهدة ستارت الموقعة بين الولايات المتحدة وروسيا في أفريل 2010 ببراغ، والتي تنص على تخفيض الحدود القصوى للرؤوس الحربية الهجومية الإستراتيجية للبلدين بنسبة 30 بالمائة والحدود القصوى لآليات الإطلاق الإستراتيجية بنسبة 50 بالمائة، مضيفا أن الجهود تنصب على محاولة إبرام اتفاقية جديدة متعددة الأطراف ليس بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا فحسب ولكن بإشراك جميع الأطراف النووية، مما يستدعي التزام كل دول العالم بإجراء مشاورات بهذا الخصوص. ورغم المؤشرات الخطيرة التي يعيشها العالم بسبب هذا التصعيد، إلا أن الخبير استبعد أن نكون حاليا أمام بوادر حرب باردة.

واتهم الخبير روسيا بمحاولة تغيير قوانين اللعبة بعد مغادرتها اتفاقية منسك عندما بدأت أوكرانيا التي تقع على الحدود الروسية مفاوضاتها مع الاتحاد الأوروبي للانضمام إلى الكتلة  في القارة. وهو ما يشكل بالنسبة لموسكو تهديدا مباشرا عليها، حيث ستكون أوكرانيا بذلك عضوا في اتفاقية الدفاع المشترك الاوروبى، مما يعنى تواجد قوات ناتو وقوات أوروبية على الحدود الروسية، مضيفا أن بوتين لا يتردد في استعمال خطاب قوي يعود للمرحلة السوفياتية وهو ما لا يؤشر لمستقبل زاهر لروسيا، حسبه.

من هي منظمة حلف الشمال الأطلسي؟

للإشارة، تندرج زيارة الوفد الإعلامي الجزائري إلى مقر الناتو ببروكسل في إطار التعريف بالمنظمة التي لها علاقة شراكة مع الجزائر ليس على المستوى العسكري فحسب، بل أيضا على مستوى المجالين السياسي والأكاديمي والعلمي في إطار الحوار المتوسطي.

ومنظمة حلف شمال الأطلسي التي تعرف اختصارا بـ»الناتو»، تأسست عام 1949 بناء على معاهدة شمال الأطلسي الموقعة بواشنطن سنة 1949، حيث تشكل نظاما للدفاع الجماعي تتفق فيه الدول الأعضاء على الدفاع المتبادل ردا على أي هجوم من قبل أطراف خارجية.

ويتكون الناتو من 29 بلدا عضوا في انتظار انضمام مقدونيا قريبا. وتشارك 21 دولة أخرى في برنامج الشراكة من أجل السلام التابع لـ»الناتو»، مع مشاركة 15 بلدا آخر في برامج الحوار المؤسسي.

بعد سقوط جدار برلين في ألمانيا في عام 1989، أجرت المنظمة أول تدخلاتها العسكرية في البوسنة من 1992 إلى 1995 ثم في وقت لاحق يوغوسلافيا في عام 1999.

ومن الناحية السياسية، سعت المنظمة إلى تحسين العلاقات مع بلدان حلف وارسو السابقة، التي انضم العديد منها إلى التحالف في عامي 1999 و 2004. وقد تم الاستعانة بالمنظمة، عن طريق المادة 5 من معاهدة شمال الأطلسي، التي تطلب من الدول الأعضاء تقديم المساعدة لأي دولة عضو تخضع لهجوم مسلح.

وقام الناتو للمرة الأولى والوحيدة بعد أحداث 11 سبتمبر نشر قواته في أفغانستان تحت قيادة «ايساف» التابع له في أفغانستان. كما أدت المنظمة أدوارا إضافية منذ ذلك الحين، بما في ذلك إرسال مدربين إلى العراق والمساعدة في عمليات مكافحة القرصنة. وفي عام 2011 فرضت منطقة حظر جوي على ليبيا وفق قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1973.

العدد 6752
18 مارس 2019

العدد 6752