انتقادات متصاعدة على خلفية تعامل قوات الأمن مع الاحتجاجات وأعمال العنف

فرنسا.. حكومة تتنصل من المساءلة وشارع ساخط

فرنسا.. حكومة تتنصل من المساءلة وشارع ساخط
  • 100
ق. د ق. د

وجدت الحكومة الفرنسية نفسها في قلب انتقادات متصاعدة على خلفية تعامل قوات الأمن مع الاحتجاجات وأعمال العنف التي شهدتها عدة مدن في ظل جدل متفاقم بشأن استخدام الشرطة للقوة وإخفاق السلطات في الاستعداد لحجم الاضطرابات، وسط تزايد المطالب بمحاسبة المسؤولين عن إدارة الأزمة. 

في تقارير نشرتها وسائل إعلامية فرنسية، تحوّل مصطلح "عنف الشرطة" إلى موضوع تتحاشى الحكومة الخوض فيه، مسلطة الضوء على رفض مسؤولين حكوميين استخدام هذا التوصيف رغم تداول تسجيلات مصوّرة توثق تدخلات أمنية عنيفة.ويطرح هذا الموقف تساؤلات بشأن استعداد السلطات للاعتراف بالتجاوزات المحتملة ومناقشة مسؤولية المؤسسات الأمنية بدل الاكتفاء بالدفاع عن أدائها والتشكيك في المصطلحات المستخدمة لوصف ممارساتها.

ولا ينفصل هذا الجدل عن الانتقادات الموجّهة إلى أساليب حفظ النظام والتعامل مع التحركات الاحتجاجية، خصوصا في ظل توثيق إصابات خطيرة في صفوف متظاهرين شبان خلال تدخلات الشرطة.ويضع ذلك الحكومة أمام مساءلة تتجاوز التصريحات الرسمية، لتشمل قواعد استخدام القوة وفعالية آليات الرقابة ومدى استقلالية التحقيق في الوقائع التي تثير شبهات بشأن تجاوزات أمنية، وفي تطوّر يعمق الضغوط على السلطة التنفيذية، كشفت نفس المصادر عن ثغرات واضحة في الاستعداد الأمني بعدما وجدت قوات الشرطة والدرك نفسها في عدة مدن بينها باريس ومرسيليا وليون وبوردو أمام مجموعات متفرقة ومتحركة لم تتمكن من احتوائها بفعالية. وأشارت التقارير إلى إحراق مبنى بلدية ليموج والاعتداء على بلدية مرسيليا وأعمال تخريب ونهب طالت متاجر وممتلكات، فيما اقتربت مجموعات من محيط قصر الإليزيه إلى مسافة نحو 300 متر.

وتكشف هذه الوقائع حجم الإخفاق في تقدير تطوّرات الوضع الميداني وتطرح أسئلة مباشرة بشأن كفاءة التخطيط الأمني وقدرة أجهزة الاستعلام على توقع اتساع التعبئة، خاصة بعدما امتدت التحركات إلى نقاط متعددة واضطرت القوات إلى إعادة توزيع عناصرها على نحو أضعف انتشارها في بعض المواقع. وبينما أرجعت وزارة الداخلية الصعوبات إلى تحركات مجموعات متفرقة يصعب احتواؤها، فإن هذا التفسير لا ينهي التساؤلات بشأن مدى ملاءمة التدابير المتخذة لحجم المخاطر التي واجهتها المدن الفرنسية.

وفي هذا السياق، أوردت تغطية برلمانية فرنسية أن مسؤولين سياسيين من اتجاهات مختلفة طالبوا باستقالة وزير الداخلية، متهمين إياه بالتقليل من حجم التعبئة وعدم تقديم إجابات كافية بشأن الاستعدادات الأمنية والتعليمات الموجّهة إلى القوات. ويعكس اتساع دائرة المطالبين بمحاسبته تصاعد الضغط على الحكومة، التي باتت مطالبة بتفسير الإخفاقات المسجلة وتحديد المسؤوليات بدلا من الاكتفاء بتبرير ما حدث بعد وقوعه. وبالتوازي مع ذلك، سلطت تغطية إعلامية أخرى الضوء على حجم التعبئة الاجتماعية واتساع الغضب الذي رافق احتجاجات غلاء المعيشة في وقت تتداخل فيه مطالب المحتجين مع انتقادات ظروف التعليم وتدهور الخدمات العامة. 

ووفق تقديرات أوردتها وسائل إعلام محلية، تراوح عدد المشاركين في تحركات 17 أكتوبر ما بين 550 ألف إلى 800 ألف شخص، بما يعكس اتساع نطاق التعبئة رغم أن غالبية المشاركين تظاهروا سلميا بحسب التغطيات المنشورة. غير أن الحكومة اتجهت، في أعقاب أعمال العنف، إلى تحميل اليسار الراديكالي المسؤولية السياسية عن التصعيد، فيما دافعت الحكومة عن أداء الأجهزة الأمنية ورفض تحميل قيادات الشرطة مسؤولية ما جرى. ويثير هذا المسار انتقادات بشأن تقديم المواجهة السياسية على التحقيق الشامل في أسباب الإخفاقات، خصوصا أن تحديد المسؤولية عن أعمال التخريب لا يعفي السلطات من الإجابة عن أسئلة الاستعداد الأمني. كما أن مساءلة الشرطة لا تعني تبرير الاعتداءات على الممتلكات العامة والخاصة.

وتظهر هنا إحدى أبرز مشكلات إدارة الأزمة، فإدانة التخريب واجب لا جدال فيه لكنها لا تصلح بديلا عن مراجعة أداء المؤسسات التي أخفقت في منع اتساع الأضرار أو احتواء المواجهات. كما أن اختزال النقاش في اتهام الخصوم السياسيين يترك قضايا جوهرية معلقة من بينها أسباب ضعف الانتشار الأمني في بعض المواقع وطبيعة القرارات الميدانية وحدود استخدام القوة ومدى خضوع المسؤولين للمساءلة.

وبذلك، تجد الحكومة الفرنسية نفسها أمام اختبار سياسي ومؤسّساتي مزدوج، يتعلق بقدرتها على حماية المواطنين والممتلكات من جهة وضمان احترام الحقوق والحريات ومحاسبة أي تجاوزات أمنية من جهة أخرى. فالدولة التي تطالب المواطنين بالالتزام بالقانون مطالبة بدورها بإخضاع أجهزتها للقواعد نفسها وتقديم تفسيرات واضحة عندما تثير الوقائع الموثقة تساؤلات بشأن ممارساتها.

ومع استمرار الانتقادات وتزايد المطالب باستقالة وزير الداخلية، لم يعد كافيا أن تكتفي الحكومة بإدانة أعمال العنف أو تحميل المسؤولية لخصومها السياسيين، حيث أصبحت مطالبة بكشف أوجه القصور في إدارة الأزمة وتوضيح المسؤوليات وضمان تحقيقات مستقلة وشفافة بشأن الوقائع المثيرة للجدل. فالتنصل من المساءلة لا يعالج الإخفاق الأمني ورفض الاعتراف بمشكلة عنف الشرطة لا ينهي الجدل بشأنها، بل يترك الحكومة في مواجهة أسئلة متزايدة عن قدرتها على إدارة الأزمات وصون ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.