أمام أزمة تتجاوز حدود المواجهة الأمنية

فرنسا تحت وطأة الغضب الشعبي

فرنسا تحت وطأة الغضب الشعبي
  • 109
ق. د ق. د

استيقظ الفرنسيون، أمس، على وقع مشاهد الدمار التي عمّت شوارع المدن الفرنسية خاصة الرئيسية منها، غداة يوم احتجاجي صاخب تخلّلته أعمال عنف ونهب وإضرام للنيران، كشف حدة الاحتقان الاجتماعي وحجم التوتر الذي يجتاح الشارع الفرنسي بما يضع سلطات هذا البلد أمام أزمة تتجاوز حدود المواجهة الأمنية.

فبينما أعلن وزير الداخلية الفرنسي، لوران نونييز، أمس، توقيف أكثر من 1800 شخص، من بينهم 855 في باريس، قال رئيس الوزراء الفرنسي، سيبتستيان لوكورنو، أنه "لن نسمح بأن يتم ترهيبنا، لن يفرض أحد أجندته السياسية عن طريق العنف"، لافتا إلى إصابة 150 شرطي خلال المواجهات ضمن حصيلة تعكس اتساع تداعيات هذه الاحتجاجات التي امتدت إلى عدد من المدن الفرنسية وشهدت صدامات وأعمال تخريب ونهب وإضرام حرائق.

من جهتها، نقلت الصحافة الفرنسية أن وزارة الداخلية قدرت عدد المتظاهرين بنحو 550 ألف شخص، في حين تحدث المنظمون عن مشاركة ما لا يقل عن 800 ألف في تعبئة شملت شرائح اجتماعية متعددة من طلاب المدارس والجامعات والنقابات العمالية وأنصار حركة "السترات الصفراء" وناشطين في مجال المناخ، وهي أرقام تبرز حجم الغضب الشعبي في وقت تتزايد فيه الضغوط المرتبطة بارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة.

كما أن اتساع قاعدة المشاركين من فئات مجتمعية متعددة، يكشف أن السخط لم يعد محصورا في فئة بعينها، بل امتد إلى قطاعات مختلفة وجدت في الاحتجاجات وسيلة للتعبير عن رفضها للأوضاع القائمة ومطالبة الحكومة بإجابات ملموسة. وبالموازاة مع هذا الحشد الشعبي، شهدت عدة مدن مواجهات عنيفة بين مجموعات من المتظاهرين وقوات الأمن، فيما طالت أعمال التخريب ممتلكات عمومية وخاصة.

وبينما أفادت تقارير إعلامية بوقوع عمليات نهب لمتاجر في باريس ومرسيليا ونيس ونانت وبوردو وليموج وليل وتولوز وستراسبورغ، كشف رئيس الفدرالية الفرنسية للتجار عن تضرر ما لا يقل عن 1500 متجر بخسائر مالية تعد بمئات الملايين الأوروات، إلى جانب اندلاع حرائق وإلحاق أضرار بمبان ومرافق عمومية بما زاد من حدة التوتر وعمق التداعيات الأمنية للاحتجاجات. وبالعاصمة باريس، بلغت حصيلة التوقيفات 855 شخص، وفق ما أوردته تقارير إعلامية، بينما سجلت مدينة تولوز بدورها عشرات التوقيفات بالتزامن مع تعرض متاجر لأعمال تخريب.

وتكشف هذه التطوّرات اتساع رقعة المواجهات وتعدد بؤر التوتر في وقت تسعى فيه السلطات إلى احتواء تداعيات يوم احتجاجي اتسم بحجم مشاركة كبير وأعمال عنف متفرقة نتيجة السياسات الحكومية الفاشلة. وتضع هذه الحصيلة الحكومة الفرنسية أمام اختبار سياسي واجتماعي بالغ الحساسية، حيث لا يمكن اختزال ما شهدته البلاد في أعمال الشغب والتوقيفات أو التعامل معه باعتباره تحدّيا أمنيا فحسب في ظل مشاركة مئات الآلاف في احتجاجات رفعت مطالب معيشية واجتماعية واضحة. 

فبينما تظل أعمال التخريب والاعتداءات مستمرة، تبقى مسؤولية السلطات قائمة في معالجة أسباب الاحتقان والاستجابة للمطالب التي دفعت أعدادا كبيرة من المواطنين إلى الشوارع، خاصة وأن الاحتجاجات كشفت بوضوح عن اتساع الهوة بين الشارع والحكومة في مشهد تتداخل فيه الأزمة الاجتماعية مع التوتر الأمني وتتصاعد معه الضغوط على السلطات لإثبات قدرتها على احتواء الغضب الشعبي. وفي خضم هذه التطوّرات، تجد الحكومة الفرنسية نفسها أمام تداعيات لا تكفي التصريحات الرسمية لاحتوائها، بل تتطلب معالجة فعلية للأسباب التي فجرت هذه الاحتجاجات.