الذّكرى الخمسون لاستشهاد الولي مصطفى السيد
رائد الكفاح المسلّح في الصحراء الغربية
- 186
مقتبس من موضوع *فيليبي بريونيس و* محمد ليمام محمد عالي
يُعدّ الولي مصطفى السيد الشخصية التي أشعلت شرارة الثورة الصحراوية المعاصرة وأسّست لكيانها الوطني، -الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية- وقد استُشهد قبل خمسين عاماً، في التاسع من جوان 1976، بعد أن كرس عمره للنضال والكفاح من أجل استقلال الشعب الصحراوي، معتمدا على ثلاثة ميادين، شملت الميدان الداخلي والميدان العسكري والميدان الدلبوماسي.
ففي الميدان الداخلي، جعل الولي الخبرة التنظيمية أساس العمل الوطني، حيث حلل الواقع الصحراوي بنهج أتاح له الاقتراب مباشرة من المواطنين، وتفكيك المفاهيم والأفكار الاجتماعية والسياسية التي تؤثر على حياتهم أفراداً وشعباً. وأتاحت هذه المعرفة الأساسية تقييم العمل من زوايا متعددة، مع الأخذ في الاعتبار واقع اللجوء المفروض على الشعب الصحراوي.. مع تكريس جزء من التحليل لفهم الوضع الداخلي للعدو وقوته البشرية، وهيكله الاقتصادي وتناقضاته، وطبيعة مشاكله، ونظامه السياسي، وطموحاته الإقليمية، وعلاقاته وتحالفاته الداخلية والخارجية. وبذلك يمكن الكشف عن نقاط ضعفه وإلحاق الضرر الكافي به، وإجباره على الاعتراف بما كان ينكره حتى ذلك الحين.
أما في الميدان العسكري الذي اعتبره آداة العمل الوطني، أصرّ الولي على أن الواقع الذي فُرض على الشعب الصحراوي هو واقع ظالم مهين يجب رفضه من خلال الوسيلة الأكثر قوة وهي الكفاح المسلح. وأصر على تبنّي مفهوم التضحية القصوى، لأن اغتصاب حق كالحرية يستوجب السخاء بالدم إذا أردنا استرداده. ويجب أن يكون العمل المسلح عملاً وطنياً منظماً خالياً من أي ارتجال أو عفوية، وهو ما لن يتحقق إلا بالتأسيس لجيش التحرير الشعبي الصحراوي. أصرّ على أن يكون في الصفوف الأمامية وفي الخطوط الأكثر خطورة. وشاءت الأقدار أن يقود الولي أولَ عملية عسكرية لجبهة البوليساريو التي أُسر فيها. وقاد آخر عملياته القتالية فكان فيها شهيداً، ليُخلّد بأنفاسه الأخيرة صفحةً من التضحية الفريدة والتفاني اللامحدود في سبيل القضية الوطنية.
وفي الميدان الدبلوماسي، ركز الوالي على إقامة التحالفات لترسيخ الحق الوطني. فمنذ أيام دراسته كان يعتقد بصدق أن تطلعات الشعب الصحراوي في الحرية والاستقلال ستلقى دعماً من المنظمات التقدمية في المغرب وموريتانيا، غير أنه مع مرور الوقت وتصاعد تضحيات الشعب الصحراوي في النضال، تراجعت مواقف تلك المنظمات التقدمية حتى اختلطت مع سياسات الأنظمة نفسها فيما يتعلق بالقضية الصحراوية.
وتركت خيبة الأمل تلك، وتراجع إسبانيا عن التزاماتها تجاه الصحراء الغربية، تأثيراً عميقاً على فكر الشهيد الولي. لذا كان تنظيم المقاومة وبث الروح المعنوية وشحذ همم الصحراويين في ظل حالة الحصار أكبر تحدٍّ للولي.. وكان من الضروري في نظر الولي بذل جهد حازم لضمان تحالفات تدعم الثورة معنوياً ومادياً. وغدت الجزائر وليبيا الدرع التاريخية لتلك الثورة. وليس من المبالغة القول إن جميع المراحل اللاحقة من نضال الشعب الصحراوي تأثرت بهذا الواقع. وكانت مساهمةُ الزعيم الصحراوي ومثابرتُه في تشكيل هذه الجبهة حدثاً تاريخياً.
عاش الولي من الداخل البؤس المادي لشعبه على الرغم من الموارد الهائلة في باطن الأرض الصحراوية، وعاش القهر على الرغم من عظمة الشعب الصحراوي وفخره. عاش تفاصيل المصير الذي كان يُدبَّر في دوائر أجنبية ضد شعبه الذي كان موته مخططاً له، لذلك عندما أعلن الثورة فعل ذلك تعبيراً عن رفض عميق للظلم والبؤس.
وتميّز الولي بجملة من الخصائص القيادية النادرة، حيث كان يعتقد دائماً أن الثورة كانت نتيجة للمراحل السابقة من النضال الصحراوي، لا سيما مرحلته الأخيرة التي مثّلتها الحركة الطليعية وقائدها سيد إبراهيم بصيري. كان يتمتع بقدرة هائلة على صنع التاريخ وتغيير مسار الأحداث من منظور بعيد المدى. نجح في تحويل اليأس والخوف اللذين خيما على اللاجئين الفارّين من قصف النابالم والفوسفور الأبيض، إلى نصر وفرح وتحدٍّ غداة إعلانه ميلاد الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية..
سيبقى التاسع من جوان “يوم الشهداء”، تاريخا مكرَّساً لالتزام مستمر بالولاء والحرية والعدالة والوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي والكرامة الإنسانية، ووعداً بالمساواة في المواطنة. يوم نتذكر فيه من سقطوا حتى يتمكن هذا الشعب من العيش بكرامة على أراضيه، ويتثبت فيه الإيمان الراسخ بأن السيادة تبقى ملكاً حصرياً للشعب الصحراوي ولا يمكن لأحد أن يحل محله أو يتجاهل موافقته. على الشعب أن يتأمّل هذا التاريخ وأن يُدرك أهمية استذكار جميع الشهداء الصحراويين، ولا سيما محمد سيد إبراهيم بصيري، والولي مصطفى السيد، ومحمد عبد العزيز، باعتبارهم مرجعيات تاريخية وشخصيات رمزية وقادة يجب دراسة تجاربهم وأفكارهم بعمق وفهمها وتجديدها لأن أي عمل بشري قابل للتحسين والارتقاء..
❊ فيليبي بريونيس بيبيس: مدعٍ عام إسباني يعمل في القسم الجنائي بالمحكمة العليا الإسبانية.
❊ محمد ليمام محمد علي سيدي البشير: سفير الجمهورية الصحراوية لدى جمهورية كينيا.