فرنسا في مواجهة "الثلاثاء الأسود"

توسّع احتجاجات المدارس يربك حكومة لوكورنو

توسّع احتجاجات المدارس يربك حكومة لوكورنو
  • 146
ص. محمديوة ص. محمديوة

وجدت فرنسا نفسها في قلب أزمة داخلية متصاعدة وصفها إعلامها بـ«الأسبوع الأسود”، تشابكت خيوطها وتعقّدت حلولها فجّرتها انتفاضة طلابية واسعة واحتجاجات عارمة شلّت قطاع التعليم وتوسّعت لتتحول إلى مواجهات عنيفة في الشوارع وضغوط سياسية واقتصادية خانقة.

فعشية يوم تعبئة مرتقب وقد يشكل نقطة تحول هامة في مسار الاحتجاجات، تدخل فرنسا أسبوعا جديدا من الاحتجاجات الطلابية التي بدأت بمطالب مرتبطة بنقص المدرسين وتدهور ظروف التعليم، قبل أن تتحول في أقل من ثلاثة أسابيع إلى حركة وطنية واسعة وضعت حكومة سيباستيان لوكورنو، في مأزق سياسي صعب بسبب بنود مشروع موازنة 2027، التي تتضمن اقتطاعات وإجراءات تقشفية قوبلت برفض شعبي ونقابي واسع.

ومع تواصل غضب تلاميذ الثانويات أعلنت وزارة التربية الفرنسة، أمس، تعليق الدراسة كليا أو جزئيا في ما بين 400 و500 ثانوية من أصل حوالي 3700 مؤسسة بسبب عدم توافر شروط السلامة، بعدما امتدت الاحتجاجات التي انطلقت منتصف سبتمبر الماضي، من منطقة باريس إلى مختلف أنحاء البلاد. 

وبينما اعتبرت صحيفة “لوموند” بأن الحركة الاحتجاجية أصبحت بحجمها وطبيعتها من أهم التعبئات الطلابية التي عرفتها فرنسا خلال العقود الأخيرة، توالت أمس، مشاهد الاشتباكات والاحتجاجات العنيفة في العاصمة باريس، والتي دفعت بشرطة مكافحة الشغب إلى التدخل وتوقيف مزيد من المتظاهرين. وقاد طلاب الثانوية في فرنسا خلال الأيام الأخيرة، موجة احتجاجات أمام مدارسهم هزّت الشارع الفرنسي، أغلقوا على إثرها مداخل مؤسساتهم التعليمية، فيما ردّت قوات الأمن أحيانا بالغاز المسيل للدموع وشنّت حملة اعتقالات واسعة في صفوف المحتجين.

ويبدو أن الوضع يتجه نحو مزيد من التصعيد، خاصة مع الدعوة التي أطلقتها نقابة الكونفدرالية العامة للشغل أول أمس، بانضمام أعضائها إلى التعبئة المقررة اليوم في فرنسا، إلى جانب طلاب المدارس الثانوية والجامعات والعاملين في قطاع التعليم في ظل اتساع نطاق الاحتجاجات الاجتماعية وتصاعد التوترات المحيطة بميزانية الدولة المقترحة لعام 2027.

وأعلنت النقابة، في بيان لها أنها ستشارك “إلى جانب طلاب المدارس الثانوية والعاملين في قطاع التعليم في التعبئة يوم 6 أكتوبر”، داعية منظماتها الأعضاء إلى الانضمام إلى المظاهرات المزمع تنظيمها في جميع أنحاء البلاد، وتنظيم التعبئة خاصة من خلال الإضرابات في القطاعات التي تم فيها تقديم إشعارات بهذا الخصوص. 

ودعا البيان تحديدا العاملين في قطاع الطاقة إلى الإضراب الثلاثاء، في حين دعت عدة نقابات تعليمية بما في ذلك الاتحاد النّقابي الموحد واتحاد نقابات “سوليدير” الذي يضم تحت مظلته مجموعة واسعة من النّقابات المهنية في مختلف القطاعات مثل النّقل والاتصالات والصحة والتعليم  ونقابة “سود-إديوكيشن”، إلى الإضرابات والمظاهرات في اليوم نفسه. وتعتزم الحكومة الفرنسية، ضخ 54 مليار أورو في خطة إنعاش اقتصادي تشمل 43 مليار أورو من الإجراءات الجديدة بهدف خفض العجز العام إلى 5 بالمئة من النّاتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2027، مقارنة بتوقعات بلغت 5.4 بالمئة خلال العام الجاري.

وتؤجج التوجهات الحكومية المتعلقة بالميزانية انتقادات النّقابات التي تعارض بشكل خاص إجراءات التقشف وتأثيرها على الخدمات العامة والقدرة الشرائية، ولذلك يتوقع أن يمثل الاحتجاج هذا الثلاثاء، محطة بارزة أخرى في الحراك الاجتماعي، مع التقارب المتوقع بين مطالب الشباب والعاملين في مجال التعليم والنقابات العمالية بشأن القضايا الاجتماعية والميزانية.

وفي ظل تزايد القلق العام، تغرق فرنسا في أزمة اقتصادية واجتماعية خطيرة، تتسم بتدهور المالية العامة والانقسامات السياسية العميقة، حتى أنها تثير مخاوف من عودة حركة “السترات الصفراء”، فالمناخ السائد في هذا البلد الأوروبي يستحضر ذكريات احتجاجات هذه الفئة التي بدأت في عام 2018، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود والضرائب، قبل أن تتحول إلى حركة اجتماعية واسعة شهدت مظاهرات متكررة وعنيفة في جميع أنحاء البلاد.